ومن أعجب العجيب أن دعاة التحرر الفكري المشبوه من رجال العلم الرسميين في العصر الحاضر ما زالوا يشيدون بفضل المعتزلة على الفكر الإسلامي - بزعمهم - ويحثون الطلّاب على توجيه بحوثهم الجامعية نحو تلك الفرقة الضالة ، وكأنهم لم يقرأوا - لا نقول كتابا مخطوطا بعيدا عن متناول الأيدي - بل لم يقرأوا كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي ، الذي سرد من فضائحهم ما كان يجب أن يكون إنذارا لهؤلاء الذين يدعون إلى الحرية الفكرية بمعناها الأوروبي والشيوعي الذي لا ينطلق إلا على درب التخريب ولا يلوي على شيء .
لا أدري ما ذا يقول المشرفون على الرسائل الجامعية عن أبي إسحاق النظام - وهو الذي كتبت فيه الرسائل المتعددة - وهم يطالعون فضائحه إن كانوا طالعوها ، وهو من رؤوس الاعتزال . كان هذا الخبيث يقول : إن أبا هريرة أكذب الناس ، وإن عمر شك في دينه يوم الحديبية ، وضرب فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وابتدع صلاة التراويح ، وسفه علي بن أبي طالب لأنه قال في مسألة برأيه ، وعاب ابن مسعود ، وكذبه في حديث انشقاق القمر ، ورؤية الجن ليلة الجن ، إلى آخر تلك الفضائح الموبقات التي ألمح إليها المحاسبي في إيجاز وورع كان يقتضيه عصره .
ونعود إلى شيخنا المحاسبي فنقول : إنه كشف أصل الداء ، ووصل إلى أن الهوى هو نبعه ومصدره ، وأن الهوى قد استحكم حتى أصبح أصلا للكثير من أمراض النفس كالرياء والعجب ، والوقوف عند الدنيا ، وفصل شطر الحياة وهو الدار الآخرة عن أولها وهو الدنيا ، وفساد النوايا ، والجهل بالسنن ، وهي المواضيع التي لم يعن بها لا رجال الحديث ولا رجال الفقه ولا رجال التفسير والأخبار ، لسبب نعتقد أنه الصواب إن شاء اللّه ، وهو : أن المخلصين منهم كانوا ينؤون تحت حمل ثقيل من فحص أسانيد الحديث ، ووضع قواعد مصطلحة ، وجمع رواياته ، ووضع أصول الفقه ، وتسجيل مسائله ، وهي تبعات لا تدع وقتا لبحث المسائل النفسية التي جدت في المجتمع . أما غير المخلصين منهم فهم في عداد العامة المحتاجين إلى العلاج ، الهائمين بما يموج في العصر من الفتن وطرق الانحلال .
كان المحاسبي بداية الإرشاد القائم على التحليل النفسي الدقيق ، والوصول إلى العقدة وكشفها ، وهو قصارى ما وصل إليه الطب النفسي الحديث ، مما يجعلنا نقرر بحق أن المحاسبي هو رائد علم النفس الإسلامي الذي يغني عن علم النفس المستورد عند من له أدنى قدر من صحة تركيب العقل .
كان المحاسبي ميزانا دقيقا كل الدقة لقلب المؤمن ، فلا يقصر به حتى يصل الهوى
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 25
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٥