تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
كان المحاسبي معنيا بإصلاح البواطن ، وكان أحمد بن حنبل معنيا بظاهر الشريعة ، ومن هنا كانت فتنة خلق القرآن ألصق بظاهر العلم منها بباطنه وخفاياه ، فكان أحمد مقصودا بها ، وكان المحاسبي بعيدا عنها هو وأمثاله رغم أنه رجل حديث وفقه وكلام وهجوم على كل من انحرف عن خط أهل السنة . ولكن جمهور الرواية والدراسات الفقهية جمهور عريض لا يتهيأ مثله في اتساع قاعدته للدراسات السلوكية والنفسية بأي حال من الأحوال .

محاولات لتشويه المحاسبي :

إنه داء قديم في البشر ، هو أن يستظهر الإنسان برأي كبير من العلماء ليهدم عالما آخر . . . ولكن اللّه تعالى إذا أراد إبطال حجة هذا الهادم المخرب أجرى على لسانه وقلمه دليل خطئه . قال الإمام الذهبي في كتابه « 1 » : « قال الحسين بن عبد اللّه الخرقي : سأل المروذي عما أنكر أبو عبد اللّه على المحاسبي فقال : قلت لأبي عبد اللّه : قد خرج المحاسبي إلى الكوفة وكتب الحديث فقال أنا أتوب مما أنكر علي أبو عبد اللّه . فقال ليس لحارث توبة ، يشهدون عليه بالشيء ويجحد ، إنما التوبة لمن اعترف ، ثم قال : حذروا عن حارث . « وقال أبو بكر بن حماد : إن الحارث مر به ومعه أبو حفص الخصاف . قال : فقلت له : يا أبا عبد اللّه تقول : إن كلام اللّه بصوت ؟ فقال لأبي حفص : أجبه . قال أبو حفص : متى قلت : بصوت ، احتجت أن تقول : بكذا ، وكذا . فقال للحارث . فماذا تقول أنت ؟ قال : قد أجابك أبو حفص . قال أبو عبد اللّه بن حنبل : أنا من ذلك اليوم أحذر عن حارث » . والعجب هنا من أمور منها : 1 - أن المروذي نفسه هو الذي روى في مسائله عن الإمام أحمد أنه كان يتوقف طويلا بحكم ما ركب فيه من سليقة الورع في تجريح راو من الرواة العام والعامين احتياطا لدينه . فكيف يتوقف في تجريح راو من الرواة ثم يسارع إلى إغلاق باب التوبة على مسلم قبل أن يغرغر مخالفا بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإجماع الأمة على أن التوبة صحيحة من أي مسلم ما دامت روحه لم تبلغ حلقومه . . . هذا مستحيل تماما في حق الإمام أحمد ونكاد نقطع بأن هذا الخبر مكذوب عليه ، لأنه يخالف ما تواتر عنه من الدين والورع والخوف
هامش
( 1 ) انظر تاريخ الاسلام ج 13 ( مخطوط رقم 13 تاريخ بدار الكتب المصرية ورقة 45 وما بعدها ) .