الاقتصاد والحزم :
وعليك يا أخي بالاقتصاد والحزم في أمورك كلها ، فإن الاقتصاد أرجا للثبات « 1 » ، وأسلم من الآفات ، والحزم ينفع أهله عنده الشدة ، ولا يضرهم عند الرخاء .
فاستكثر من المعرفة ما قدرت ، فليست المعرفة كالعمل ، للعمل حد ينتهي إليه ، وليس للمعرفة حد تنتهي إليه ، لأنك تريد بالمعرفة استكمال أمر اللّه ، وإقامة حقه ، ولا يبلغ ذلك أحد ، لأنه سبحانه وتعالى أجلّ وأعظم من أن يبلغ الآدميون كنه حقه .
غير أنهم يتباينون فيه بزيادة المعرفة ونقصانها ، مع المعرفة والأنس ، والروح والفرح والراحة ، لزيادتها نعمة من اللّه ، ونقصانها عقوبة من اللّه بذنب ، أو تضييع شكر .
إحذر صغائر الذنوب ، وارغب في صغائر الخير :
واحذر ما يكره اللّه من عملك ونيتك ، وسرك وعلانيتك ، في الصغير ، كما تحذره في الكبير ، وإن كل شيء يفسد عليك مثقال ذرة قدمته للّه يفسد عليك مائة ألف دينار . . . والدنيا كلها مثل ما أفسد عليك مثقال ذرة ، فسادا سواء ، لا فضل بينهما .
ثم هكذا في سائر الأعمال . يأتي الفساد على كثرتها كما يأتي على قلتها سواء .
وارغب في الصغير من الخير « 2 » ، كما ترغب في الكبير ، رغبة واحدة ، لأنه يقبل القليل من العبد كما يقبل الكثير قبولا واحدا سواء ، وهكذا في سائر الأعمال .
وكفى بقبول اللّه الصغير من عبده لعبده فوزا ، مع أن أعمال بني آدم كلها صغارا ، إلّا ما قبل اللّه منها ، فإذا قبل منها شيئا صار عظيما ، وإن كان قبل ذلك صغيرا .
واعلم أن صغارها أسلم من كبارها في الرياء والإعجاب والامتنان . فانتبه لذلك « 3 » ، ولا تغفل عنه .
واعلم أن لك في عملك إرادة وأملا ، فانظر إرادتك في أعمالك كلها ، كإرادة أهل
هامش
( 1 ) حدد المؤلف معنى الاقتصاد في متناول الحلال في ( الوصايا ص 63 ) وهنا يجعله عاما في كل شيء على الثبات والدوام .
( 2 ) حرّض الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الأمة على عدم احتقار عمل البر الصغير ، كما في قوله : « تصدق ولو بتمرة » . وقوله :
« لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق » .
( 3 ) في أ : ( وانتبه في ذلك ) .