الشكر والرضا ، وأملك فيه كأمل المسرفين على أنفسهم ، فليس شيء أحب إلى أهل الرضا من شيء يرضى اللّه به ، ولا شيء أحب إلى أهل الشكر من شيء يشكرون اللّه عليه ، ولا شيء أولى بأهل الإسراف على أنفسهم من شيء يرجون به عفو اللّه .
واعلم أني لست من قلة العمل أخاف عليك وعلى مثلك ، ولكن أخاف عليك من قلة المعرفة ، وضعف الإرادة .
لا أجدني أخاف عليك وعلى مثلك من قلة التطوع ، ولست أخاف من الورع ألا تنظر فيه كما ينظر غيرك ، أو لا تترك شهوات أحلها اللّه لك ، وتؤثر بها عليك غيرك .
إلّا أني أخاف عليك : أن تنازع في أمر يكرهه اللّه ولا ينفعك ، قد خفي عن الناس ، وهو عند اللّه ظاهر ، فيفسد عليك جميع ما أردت . . . أو ترى أن لك فضلا على غيرك ، فيخبط ذلك جميع ما كنت فيه .
وأخاف عليك ألّا تقوم بصيانها ، كما قمت بعلمها ، فيهدم ذلك جميع ما كنت فيه ، وما بنيت عليه . أو لا تؤدي ما يجب عليك من الشكر فيها ، فيلزمك من الذم في كفران النعم أكثر مما رجوت من الحمد فيها .
أو تكون تدل « 1 » على اللّه عز وجل بعملك ، فيسقطك ذلك من عند اللّه .
أو تمنّ به على أحد ، أو تؤذي بسببه أحدا . فقد علمت ما قال اللّه عز وجل في ذلك :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً
« 2 » .
وربما يعزم على العمل الذي أراده فلا يجده كما وجده بغير عزم عليه .
كمال العزم :
قلت : فما بال الرجل يأتيه الأمر مما يحب من غير طلب ولا عزم عليه ، حتى ربما أخاف من عزمه أن يكون عليه أكثر مما يكون له ؟
هامش
( 1 ) تدل : من الادلال : وهو استكثار العمل واستحسانه عند نفسك ، مع نسيان النعم ، من اللّه ، ونسيان توفيقه ، مع الرجوع بالحسن إلى اللّه هو الذي ابتداك يزيل الادلال والاعجاب من القلب هو : ان تعلم أن اللّه هو الذي ابتداك بالعمل موهبة منه لك ، وخصك به بلا استحقاق انظر ( القصد والرجوع إلى اللّه ص 68 ) .
( 2 ) سورة : البقرة ، آية : 264 .