قال : هذا من الذي قلنا : لا يصلح الشيء إلّا بشيء قلبه وشيء بعده ، فإذا لم يكن عزم بمعرفة كان عاقبته نحو الذي ذكرت .
ومعرفته : أن يكون بدؤه بالافتقار إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ولا يكون كالتّألّي « 1 » على اللّه .
والتوكل : أن ينفرد بإشعار قلبه في تفويض المقدرة إلى اللّه سبحانه وتعالى ، والتبري من الحول والقوة ، أولا تسمع إلى قوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 2 » . فهذا زيادة على التوكل أمر أمرك اللّه به . وقوله تعالى :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
« 3 » . والمشورة من الحاجة لا من الغنى . أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يستعين بمن ليس هو مثله ، وأن تبقى سنّته سنّة لمن هو بعده « 4 » .
فكيف بمن هو مثلي ومثلك إذا سها عن اللّه فيما لا يسعه إلّا التضرع إليه ؟
أولا تسمع إلى قوله عز وجل في قصة يعقوب :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
« 5 » .
فكان عاقبة يعقوب تمام ما أراد .
وقول يوسف في القرآن :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ
« 6 » .
وتمم له أمره حين أخرج نفسه من القدرة ، وأقر بالافتقار ، وفوض الأمر إلى ربه .
وقول الآخر في القرآن :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
« 7 » . فسألوه ولم يفوضوا إليه أمرهم ، لا قبل المسألة ولا بعدها . قال :
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
« 8 » . ولم يتمم لهم أمرهم .
وقول الآخر أيضا في القرآن :
لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهُما
هامش
( 1 ) التألي على اللّه يشبه إلزامه بفعل شيء على مقتضى قوانين البشر . والافتقار : اعتراف العبد ويقينه انه لا يتحرك ولا يسكن إلا بإذنه ولا يملك من أمره شيئا .
( 2 ) سورة : الكهف ، آية : 23 .
( 3 ) سورة : آل عمران ، آية : 159 .
( 4 ) فكأن المشورة من مقدمات العزم وهو الافتقار إلى اللّه تعالى ، ومن التدريب عليه فيما بين البشر بعضهم مع بعض ، وتلك إحدى فرائد المحاسبي في فهم القرآن .
( 5 ) سورة : يوسف ، آية 67 .
( 6 ) سورة : يوسف ، آية 33 - 35 .
( 7 ) سورة : يونس ، آية : 22 .
( 8 ) سورة : يونس ، آية : 23 .