تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
واعلم أن العباد إنما أمروا بالاشتغال بالعمل من الجهل ، وبالعمل بالإخلاص ولا تنال هذه الدرجة حتى تكون بحالة لو قدرت أن تترك ما تحتاج إليه منها لتركته .

آفة حب الجاه عند المخلوقين :

وأما الشبهة الأخرى التي يكرهها اللّه سبحانه وتعالى ، فطمعك في القدر والجاه والثناء عند المخلوقين ، وخوفك من سقوط منزلتك عند المخلوقين ، وذلك مما يسقط منزلتك عند اللّه عز وجل . فأهل المعرفة باللّه ، وأهل الإرادة ، يكرهون أن يراهم اللّه سبحانه وقد اعتقدوا من ذلك شيئا . حملتهم المعرفة بالإجلال للّه ، وإيثار محبته على ألّا ينظر إليهم سيدهم وفيهم شيء مما يكرهه في مبلغ عملهم ، فهم يكرهون ما يكره اللّه في غيرهم ، فكيف يرضون به في أنفسهم ؟ أبت معرفة اللّه أن يساكنها شيء من مكاره اللّه . . . وأبت الإرادة أن تشتغل بغير ما أحب اللّه . . . قد شغلتهم المعرفة بالفكر في كثرة نعم اللّه عز وجل عليهم . . . وعجزهم عن أداء شكرها . . مع عجزهم عن إحصاء عددها . . . وباستكثار ذنوبهم . . . وكثرة ذكرهم للحياء من اللّه أن يسألوا الجنة . . . فليس تخطر الجنة لهم على بال . . . وقد حال بينهم وبين مسألتها الحياء من اللّه . . . والخوف منه . . . ومصيبتهم في أنفسهم مما يخافون من فوت رضوان اللّه عنهم ، وسخطه عليهم ، أعظم في أنفسهم ، وأوجع لقلوبهم من فوت الجنة وخوف النار ، ومن الذي يجدون مما يلقي الشيطان من الخطرات ، وعوارض الدنيا ، وحب التزين لأهلها عند عبادتهم وطاعتهم ، وكثرة فساد النية ، والآفات التي تعارضها ، فهم بذلك مغموصون مكروبون ، مخافة أن يراهم اللّه وقد تزينوا لأحد غيره « 1 » . فلا تكن يا أخي بشيء أعنى منك بالمعرفة والإرادة ، فإن الخير تبع لهما ، وهما علامة نظر اللّه لعبده ، وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) يتعجب المخلوقون من هذه العاطفة العميقة نحو اللّه تعالى ، وفي الوقت لفسه يحملون مثل هذه العاطفة لكبير من كبراء الدنيا . . ولكنهم لا ينفذونها . وهذا نفاق . وبعض الصوفية المحدثين يطالبون مريديهم بمثل هذا التعظيم لهم ، وفي الوقت ذاته يطلبون منهم على التقصير نحو مولاهم . . والمحاسبي أحد القلائل في تاريخ الإسلام بعد التابعين الذين دانوا بهذا السلوك قولا وعملا .