والذي يقويك على ذلك : التصديق بوعد اللّه تعالى ، والثقة بضمانه ، والترجي بما يكفيك منها ، ولزوم سرعة الانتقال عن الدنيا .
وأما إيثار ما يحب اللّه على ما يكره ، فسبحانه ليس أحد أحق ولا أولى بذلك منه تبارك اسمه . وهو إيثار محبته على هواك ، وهو فرض على المدبرين عنه والأبّاق « 1 » ، أن يرجعوا إليه ويعاملوه . وكيف لا يؤثره من تعوّد القرب منه ، والانقطاع إليه ؟
أما الأنس به فهو : أن تكون به أشد أنسا منك بخلقه « 2 » ، فمن عرفه وعرف لطفه وكثرة أياديه ، وحكمه ، وبره وعطفه ، وتفضله ، أنس به .
وكيف يراقب العبد من لا يعرفه ؟ وكيف ينقطع إلى من لا يثق به ، ولا يأنس به ؟
وأما الذي يحسن الشئ بعده فالشكر . وأشهد أنك لو عقلت ما تقرأ ، وكنت مريدا لهذه المنزلة ، لنظرت إليه بعين المحزونين الخائفين ألا يقبلك ، وأن يستقذر إرادتك وسيرتك ، وأن يردّك عن بابه ، وأن تقدم عليه وأنت كذلك .
الاعتبار :
واستعن في أمرك كله بالاعتبار ، فإن الأمر لا يزال مستورا منك ، أو غائبا عنك . فإذا نظرت إليه نظر المعتبر كاد أن يقوم لك الاعتبار مقام المخبر المعاين لما قد غاب عنك ، ومقام الكاشف لك عن المستور عنك ، حتى تنظر إلى زين الأمور وشينها ، وحسنها وقبيحها ، وتعرف من أين صار الحسن حسنا ، والقبيح قبيحا ، فتتبع من ذلك ما فيه نجاتك ، وتجتنب ما فيه هلكتك ، وتعرف الناس بالاعتبار على منازلهم في لحن القول ، ولحن الفعل ، وتعرفهم ، وتعرف منازلهم ، ومذاهبهم ، بنور الاعتبار « 3 » ، ومواهب الإلهام إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) الأبّاق جمع آبق ، وهو الهارب .
( 2 ) يعبر المحاسبي عن هذا المذهب في خاصة نفسه بقوله : « لو أن نصف الخلق بعد مني ما استوحشت لبعدهم ، ولو أن النصف الآخر اقترب مني ما أنست بقربهم » .
( 3 ) الاعتبار هو الاستدلال بالشيء على الشيء . وهو : أن تنظر إلى الشيء المتقن بقلبك ، فبالنظر عليك التعجب من نفاد القدرة ، واتقان الصنع ، وحسن التدبير ، ثم لا تقع عينيك على شيء إلا دلك هذا الشيء على غيره ، وعلى قدر صحة العقل وقوة الإيمان تكون قوة الاعتبار . انظر ( القصد والرجوع إلى اللّه ) ص 85 .