السمع عن اللّه ، والعقل عن اللّه :
ثم أوصيك يا أخي بعد مراقبة اللّه عند همتك إذا هممت ، وعند كل حركة تكون منك ، وكل سكون : أن تستمع من اللّه ، وتعقل عنه ، فإن في هذا القرآن الذي أنزل علينا تبيان كل شيء ، وعلم كل شيء .
فعليك بتدبره وتأمله في الليل والنهار ، وأعمل نفسك في فهمه ، والعمل به ، أولا تسمع إلى قوله تعالى :
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ .
« 1 »
فلا تغفل عن مراقبة من لا يغرب عنه أصغر من مثقال ذرة ، ولا تشبع ولا تمل منها ، فإنه تعالى لا يغفل عنها ، ينظر إليك ، ويطلع على ضميرك ، ويحصي عليك مثاقيل الذر ، وموازين الخردل ، حتى يجزيك بذلك أولا تسمع إلى قول اللّه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً .
« 2 »
كمال المراقبة :
واعلم يا أخي أنه لا يكاد يحسن الشيء إلّا بشيء قبله وشيء بعده .
فأما ما تحسن به المراقبة قبلها : فالانقطاع إلى اللّه ، ولزوم طاعته ، بالمراقبة له في السر والعلانية .
وأما ما يحسن [ به ] « 3 » الانقطاع إلى اللّه قبل الانقطاع فأربعة أشياء : التوبة ، وإيثار ما يحب اللّه على ما يكره ، وأن تكون به أنس منك بخلقه ، ولا تفرح بما زادك من الدنيا ولا تحزن على ما نقصك منها وهي درجة أهل الورع « 4 » والقنوع .
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، آية : 61 .
( 2 ) سورة : النساء ، آية : 39 .
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصول .
( 4 ) الورع مشتق من الخوف كما تقول العرب : راعني فلان ، وروعني : خوفني . . ومعناه الاصطلاحي :
إسقاط ما حاك في القلب ، مع ترك ما اشتبه عليك ، وترك ما يريبك إلى ما لا يريبك . والذي يزيد فيه علم قوة القلب لقهر اللّه . . وعلى قدر هيجان الخوف يكون الورع . انظر ( القصد والرجوع إلى اللّه ص 46 ، 47 وأيضا القلوب والجوارح ص 207 ) .