فانظر يا أخي ، إذا أصبحت فلا يكن شيء أهم إليك من أن تميت خصلة تهواها نفسك مما يكره اللّه تعالى فإنه يحيا لك مكانها خصلة مما يحب اللّه ، ولك بعد ذلك التضعيف ، من النور الساطع في قلبك ، والفهم .
واعلم يا أخي أن الدنيا منها حلال مباح ، ومنها شبهات ، ومنها حرام .
فإذا كان في قلب العبد عقدة متمكنة من عقد حب الحلال المباح ، لم تنقطع عنه مواد نوازع الشبهات والمكروهات .
وإذا كان في قلبه عقدة متمكنة من عقد حب الشبهات « 1 » والمكروهات ، لم تنقطع عنه مواد نوازع الحرام . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من وقع في الشبهات فأوشك أن يواقع الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 2 » .
فكل من تمكنت الشبهات من قلبه ، واطمأن إلى أخذها ، وقع في الحرام ، لأن الشبهات أقرب إلى الحرام منها إلى الحلال .
قلت : فكيف يصنع الناس بمرافقهم وحوائجهم ؟
فقال : إني لم أنهك عن كسبك وحوائجك ، وما تحتاج إليه منها ، وإنما أحذرك أخذ ما لا تحتاج إليه منها . ونهيتك عن اعتقاد الحب لما تحتاج إليه منها ، حتى تكون تأخذها من المباح وهي راغمة ، وأنت عالم بها ، وبصغر قدرها عند خالقها ، إذ يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
« 3 » .
وإذ يقول نبيه صلّى اللّه عليه وسلم : « لو عدلت الدنيا عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » « 4 » .
واعلم أن المعتقد لحبها وهو عالم بها لا يؤمن عليه أن تستولي على قلبه ، فتملكه ، فيأخذ بعد الحلال الشبهات ، وبعد الشبهات الحرام .
واعلم أن المعتقد لحبها وغير المعتقد يأتيان على حاجتهما . واعتقاد حب الدنيا من الحلال وهن في قلوب العارفين ، ولا يزيد ذلك في رزق المعتقد ، ولا ينقص من رزق الذي لا يعتقد المحبة .
هامش
( 1 ) لعل هذا أول كشف عن العقد النفسية في تراث المحاسبي وفي التحليل النفسي في العالم كله .
( 2 ) أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد اللّه بن مسعود .
( 3 ) سورة النساء ، آية : 76 .
( 4 ) أخرجه مسلم عن ابن عمر .