مراتب العمل للّه
وقال : الناس يعملون على أربعة وجوه :
فأشرفها وأفضلها : قوم عملوا للّه على التعظيم له ، فحسنت أعمالهم ، وكرمت فعالهم على وجه عظمته في صدورهم ، وعظم قدره في قلوبهم ، فلم يكن شيء أحب إليهم ، ولا ألذ عندهم من شيء يتقربون به إليه .
وآخرون عملوا على وجه الرغبة ، والحرص على جواره ، فلم تكن لهم همة إلّا ترك ما نهاهم عنه ، لتعظيم ثوابه ، وخافوا فوات خير ما عنده من عظيم ما أعد من الثواب لأهل ولايته .
وآخرون عملوا مخافة منه ومن عقابه ، فكانت همتهم ( في ) « 1 » الرهبة من العقاب قد حالت بينهم وبين الرغبة في الثواب . وكانت الأعمال منهم على وجه الفرار من العقاب ، وليس يخطر الثواب على قلوبهم لعظم العقاب في صدورهم ، ويقولون في أنفسهم : إن بلغتنا أعمالنا إلى الخلاص من العقاب لقد ظفرنا بالفوز العظيم .
فخرجت الغربة « 2 » من قلوبهم « 3 » ، من كثرة الرهبة ، فما تخطر الجنة بقلوبهم من عظم العقاب في صدورهم .
وآخرون عملوا على وجه الحياء من اللّه سبحانه . . . استحيوه في ليلهم ونهارهم ، إذا غلقت الأبواب ، وأرخيت الستور عليهم ، لما أيقنوه أنه هو الذي يلي عرضهم ومساءلتهم .
فانسحيوا من كل قبيح يعملونه في سرائرهم ، حتى كأنهم ينظرون إليه . . . ولما استيقنوا بنظره إليهم قالوا : سواء علينا نظر إلينا أو نظرنا إليه « 4 » . . . وأيقنوا أنه أقرب إليهم من حبل الوريد .
فلما أيقنوا بذلك حال يقينهم بينهم وبين مثاقيل الذر ، وموازين الخردل ، مما يكره المطلع عليهم . وكان الحائل بينهم وبين اعتقاد القلب على شيء مما يكره سيدهم :
هامش
( 1 ) سقطت من الأصول .
( 2 ) في الأصول : ( الرهبة ) . والسياق يقتضي ما أثبتناه .
( 3 ) في أ : ( منهم ) .
( 4 ) كان هذا شرح للحديث النبوي : « أعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ولقوله تعالى :يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ .البقرة 235 .