نعيم الخوف والشوق
المعرفة ونعيم الخوف :
قلت : فبأي شيء ينتقل من درجة الصبر إلى درجة النعيم ؟
قال : بحسن المعرفة .
قلت : ممّ حسن المعرفة ؟
قال : افتقار القلب إلى اللّه ، واقترابه منه ، ومن دار الآخرة ، حتى كأنهما رأي العين . . . ويجعل الذنوب التي سلفت منه فيما بينه وبين اللّه نصب عينيه ، ويجعل النعمة التي قد أنعم اللّه عليه بها ، والتي لا يحصيها ولا يقدر على شكرها في إقرار قلبه بذلك .
وإجلال اللّه وتعظيمه وقدرته ، ووعيده ، وأهوال القيامة وما بعدها وما قبلها ، من البرزخ والموت « 1 » .
فإذا استقر ذلك في قلبه ، وسكن القلب إلى ذلك كذلك ، أنار القلب وعمر بعد الخراب « 2 » ، وأضاء بعد الظلمة ، ثم لانت المفاصل عند ذلك ، وتوثبت الجوارح إلى الطاعات ، فعند ذلك تسقط مؤنة الصبر ، ويصير في درجة الخوف والمحبة للعبادة ، وعند ذلك يجد حلاوة ما هو فيه ، فتلك العبادة بحسن المعرفة .
فلا يزال كذلك حتى يعرض له من دواعي الدنيا ، ووساوس النفس ما إن مال إليه قطعه عن تلك الحلاوة ، ورده إلى درجة الصبر .
ولساعة واحدة من تلك الساعات خير من أيام كثيرة من أيام الصبر ، لأن فيها الخوف ، وفيها الحب ، وفيها الشكر ، وفيها الندم ، وهو : التوبة ، وتعظيم ما عظم اللّه ، وتصغير الدنيا ، والأنس باللّه .
فلا يلحق صاحب هذه الدرجة صاحب الصوم الكثير ، والصلاة الكثيرة ، والحج والغزو ، وهكذا العمل إذا كان بالمعرفة القوية .
هامش
( 1 ) ما زال المحاسبي يذكرنا بالمنهج النبوي في ربط الدار الآخرة بالدنيا وعدم الفصل بينهما في القضايا الدينية .
( 2 ) عمران القلب بالخوف ، وقد مضى كلام للمؤلف في هذا . وقد درج علماء السلوك على أن عمران القلب بأحد أمرين : أما شوق مقلق ، أو خوف مزعج . والقلب بدونهما ساكن ، والسكون موت ، والخوف والشوق متحرك ، والحركة حياة .