كيف غفل الناس عن هذه الدرجة ؟
قلت : فأين المريدون عن هذه الدرجة ؟ ( ولم ) « 1 » لا يكون اهتمامهم وعنايتهم بها أكثر من عنايتهم بغيرها من الدرجات ؟
فقال : هذه الدرجة في الدرجات كالجوهرة في الأشياء ، واللؤلؤة الفائقة في ألف لؤلؤة ، والجنس واحد ، وإنما قلّ أهل هذه الدرجة وعزّوا ، لأن من الأشياء ما صعوبته في المسلك إليه ، فإذا صرت إليه صرت إلى سهولة ورخاء وأنس . . . ومن الأشياء ما سهولته وشهوته في طريقه ، وصعوبته وشدته في نفس ذلك الشيء إذا صرت إليه .
والعامة يعنون بالشيء الذي فيه السهولة ، فإذا صاروا إلى الشدة والمرارة كاعوا « 2 » ، وتحيروا وخسروا ، وقد كانوا قبل ذلك يسرعون إليه لما فيه من السهولة .
أولا تراهم يطلبون العلم فإذا صاروا إلى استعمال العلم والورع لا ترى من يستعمله ، ولا من يريده إلّا الواحد بعد الواحد ؟
أولا تراهم يتعلمون السير ، وفضائل الجهاد ، فإذا صاروا إلى شروط الجهاد لا ترى من يقوم بعمله ؟
هذه الدرجة شديدة في الطريق إليها ، ولا ترى في طريقها إلّا الواحد بعد الواحد من الكثير . . . فلذلك قل أهل هذه الدرجة ، وكثر طلاب غيرها من الدرجات ، لأنها هي الدرجة التي استعبدت العباد ، وهي درجة الصدق وصار علمها مهجورا ، وصار الناس إنما يريدون من العمل ما خف محمله ، وقلت فيه مفاتشة الهمة ، ونقاء الضمير ، والتوقف ، ومحاسبة النفس ، ومخالفة الهوى ، ومجاهدة العدو « 3 » .
واعلم أن رضا العبد بالحالة التي هو عليها مقيم ضعف وبلية نزلت به .
هامش
( 1 ) سقطت من الأصول .
( 2 ) كاعوا : أشمأزوا .
( 3 ) ونتيجة ذلك أن تموت السنن ، وينسى المنهج النبوي ، وتحيا مكانه مناهج باطلة مدخولة ، بهذا المجال اندثرت الطريقة المحمدية التي يتحدث عنها المحاسبي ، وحل محلها التصوف النظري الذي يقوم بالفلسفة . أو الطرق المتأخرة التي تهون من شأن الغضب الإلهي على العصاة ، وتربط الدين برضا الشيخ بدلا من رضا اللّه ورسوله ، وبالآمال الكاذبة المضحكة التي نراها في كتب المتأخرين . كالتيجانية الذين يقولون : ان الشيخ سيكون وكيلا عن اللّه في محاسبة المريدين .