فما أعظم ذلك عند عاقل عن اللّه مشتاق إلى ربه ورؤيته .
فتوهم ذلك بعقل فارغ لعل نفسك أن تستحي بقطع كل قاطع يقطعك عنه ، وترك كل سبب يشغلك عن التقرب فيه إلى ربك .
إكرام ضيوف الرحمن :
فلما استوى بهم المجلس واطمأن بهم المقعد وضعت لهم الموائد ، ليكرم اللّه عز وجل زواره بالإطعام والتفكيه لهم ، ووضعت الموائد لزوار اللّه عز وجل وأحبائه من خلقه ، قامت الملائكة على رؤوسهم معظمين لزوار الرحمن ، فوضعت الصحاف من الذهب ، فيها الأطعمة وطرائف الفاكهة مما لم يحسنوا أن يتمنوا ، فقدموا أيديهم مسرورين بإكرام ربهم لهم ، لأنه حقا على كل مزور أن يكرم زائره ( 1 ) ، فكيف بالمزور الكريم الواحد الجواد الماجد العظيم ؟
فتوهم وهم يأكلون فرحين مستبشرين بإكرام مولاهم لهم ، حتى إذا فرغوا من أكلهم ، قال الجليل لملائكته : اسقوهم . فأتتهم الملائكة - لا الخدام والولدان - بأكواب الدر وكئوس الياقوت ، فيها الخمر والعسل والماء والألبان .
فتوهم تلك الكاسات وتلك الأكواب بأيدي ملائكة الرحمن ، فتناولوها أولياء اللّه فشربوها ، فتنازع حسن الشراب في وجوه الزوار ، فلما سقتهم الملائكة ما أمرهم اللّه به من الأشربة ، قال الجليل : اكسوا أوليائي .
فتوهم الملائكة وقد جاءت بالحلل التي لم يلبسوا في الجنة مثلها ، ثم قاموا على رؤوسهم فألبسوها أهل كرامة اللّه ورضوانه .
فتوهم وقد صيروها من فوق رؤوسهم حتى صارت على أقدامهم فأشرقت بحسنها وجوههم .
ثم أمر الجليل تبارك وتعالى أن طيبوهم ، فارتفعت السحاب بحسنها وشدة ضيائها ونورها لحمل ألوان الطيب من المسك وجمع طيب الجنان ما لم يجدوا مثل رائحته .