تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
فلو رأيتم وقد سمعوا ذلك من حبيبهم يذكرهم ما كانوا عليه في دنياهم من رعاية عهده وحفظه ، ودوام خوفهم منه ، وقد استطاروا فرحا لما شكر لهم رعايتهم حقه ، وحفظ منهم خوفهم ، ورحب بهم محبة لهم ، إذ كانوا بذلك إياه في الدنيا يعبدونه ، استطارت قلوبهم فرحا وسرورا ، إذ لم يفرطوا في طاعته ولم يقصروا في مخالفته ، فاغتبطوا لما كانوا به للّه في الدنيا يدينون من شدة خوفهم ورعاية حقه وحفظه ، فردوا إليه الجواب مع سرور قلوبهم بالقسم لعظمته وجلاله ، أنهم قد قصروا عما كان يحق له عليهم إعظاما له واستكثارا ؛ إذ أتابهم جنته ، وأكرمهم بزيارته وقربه ، واستماع كلامه . فقالوا عند ذلك وعزتك وجلالك ، وعظمتك وارتفاع مكانك ما قدرناك حق قدرك ، ولا أدينا إليك كل حقك . فإذن لنا بالسجود . فقال لهم : « إني قد وضعت عنكم مئونة العبادة وأرحت لكم أبدانكم ، فطالما أتعبتم الأبدان ، وأكننتم لي الوجوه ، فالآن أفضتم إلى كرامتي ورحمتي فتمنوا علي ما شئتم - وفي بعض الحديث أنهم إذ نظروا إليه فروا ، فيناديهم بكلامه تبارك وتعالى : ارفعوا رءوسكم ليس هذا حين عمل ، هذا حين سرور ونظر . فتوهم بعقلك نور وجوههم وما يداخلهم من السرور والفرح حين عاينوا مليكهم وسمعوا كلام حبيبهم ، وأنيس قلوبهم ، وقرة أعينهم ، ورضا أفئدتهم ، وسكن أنفسهم ، فرفعوا رؤوسهم من سجودهم ، فنظروا إلى من لا يشبهه شيء بأبصارهم ، فبلغوا بذلك عناية الكرامة ومنتهى الرضا والرفعة . فما ظنك بنظرهم إلى العزيز الجليل الذي لا يقع عليه الأوهام ، ولا يحيط به الأذهان ، ولا تكيفه الفكر ، ولا تحده الفطن ، الذي لا تأويه الأرحام ، ولم تنقله الأصلاب ، ولا يبدو فيكون مطبوعا متنقلا . الأزلي القديم ، الذي حارت العقول عن إدراكه ، فكلت الألسنة عن تمثيله بصفاته . فهو المتفرد بذاته عن شبه الذوات ، المتعالي بجلاله على مساواة المخلوقين . فسبحانه لا شيء يعادله ، ولا شريك يشاركه ، ولا شيء يريده فيستصعب عليه أو يعجزه إنشاؤه ، استسلم لعظمته الجبارون ، وذل لقضائه الأولون والآخرون ، نفذ في الأشياء علمه بما
الوصايا — صفحة 441 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا