على إحصاء عدده من تيجان الدر والياقوت ، مطنطنة على وجوههم ، نضرة ضاحكة ، فرحة مستبشرة ! !
فلو توهمت هذا الموكب بنجائبه ، واعتدال ركبانه ، واصطفاف تيجانه على وجوه أولياء اللّه المشرقة الناعمة من تحته ، ثم رهقت نفسك اشتياقا لكنت لذلك حقيقا ولكنت به حريا . فلما اعتدل الصف واصطفت التيجان تبادروا بينهم :
سيروا إلى ربنا .
فتوهم النجائب حين أخذت في السير بأخفاف من الياقوت سيرا واحدا بخط واحد ، لا يتقدم بعضها بعضا ، تهتز أجسام أولياء اللّه عليها من نعيمها ، وأكتافهم متحاذية في سيرهم ، وأخفاف رواحلهم وركبها متحاذية في خببها .
فانطلقوا كذلك تثير رواحلهم المسك بأخفافها ، وتهتز رياض الزعفران بأرجلها .
فلما دنوا من أشجار الجنة رمت الأشجار إليهم من ثمارها ، فصارت الثمار - وهم يسيرون - في أيديهم .
فيا حسن تلك الثمار في أكفهم ! !
وتزحزحت وتنحت الأشجار عن طريقهم ، لما ألهمها مولاها أن لا يتثلم صفهم فيتعرج بعد استوائه ، ويختلف بعد اعتداله ، ويفرق بين ولي اللّه ورفيقه لأنهم رفقاء في الجنان لتحابهم في الدنيا في ربهم ، فالرفقاء مشهورون ، كل رفيقين قد شهرا بالمرافقة وجعل زيتهما ولباسهما لونا واحدا ، ولون روا حلهما لونا واحدا .
فتوهم نفسك - إذ منّ عليك ربك - وأنت لاصق برفيقك منكبك بمنكبه ، وقد دنوتما من أشجار الجنة فنفضت ثمرها ، فوقعت الثمار في أيديكما وأيدي أولياء الرحمن ، ثم تنحت بأصولها عن طريقهم ، فهم يسيرون فرحين وقد شخصت قلوبهم بالتعلق إلى نظر حبيبهم ، فهم يسيرون بالسرور ، ويلتفت بعضهم إلى بعض يتحادثون ، ويضحك بعضهم إلى بعض ، يتداعبون في سيرهم ، يحمدون ربهم على ما صدقهم وعلى ما أباح لهم من جواره .
فبنياهم في سيرهم إذ دنوا من عرش ربهم ، وعاينوا أحسن حجبه ونوره ،
الوصايا — صفحة 437
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٣٧