لقاء الرحمن :
فبينا أولياؤه - وأنت فيهم - تحت ظل طوبى يتحدثون ، إذ أمر اللّه مناديا من ملائكته فنادى أولياءه لينجز لأوليائه ما وعدهم من غاية كرامته ، وعظيم مسرته بأن يقربهم منه ، ويناجيهم بترحيبه ، ويريهم وجهه الكريم ليبلغوا بذلك أشرف المنازل وغاية السرور ومنتهى الرغبة ، فلم تشعر إلا ونداء الملك : أن يا أهل الجنة ، إن لكم عند اللّه لموعدا لم تروه ، فيرجعون إليه القول استعظاما لما أعطوا ، فإنه لا عطية فوق ما أعطوا بعد ذلك ، أدخلوا في جواره وأمنوا من عذابه ، وأنت قائلها معهم : ألم ينضد وجوهنا ؟ ! ألم يدخلنا الجنة ؟ ! ألم يزحزحنا عن النار ؟ ! فناداهم أن اللّه يستزيركم فزروه .
فبينما هم كذلك - وقد كادت قلوبهم أن تطير بأرواحهم أبدانهم فرحا وسرورا - إذ أقبلت الملائكة يقودون بخائب بخت خلقت من الياقوت ، ثم نفخ فيها الروح مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوههم المصابيح نضارة وحسنا ، لا تروث ولا تبول ، ذوات أجنحة ، قد علاها خز من خز الجنة أحمر ، ومرعز من مرعزها أبيض مشرق في بياضه ، على ظهرها خطان حمرة في بياض على هيئة وتر النجائب في الدنيا ، لم ينظر الخلائق إلى مثله وحسن لونه .
فتوهم حسن تلك النجائب وحسن صورها ، نجائب من ياقوت الجنة في حمرته وصفائه وإشراق نوره وتلألؤه حين يمشي في تحركه .
فتوهمها بحسنها وحسن وجوه الملائكة وحسن أزمتها بسلاسل من ذهب الجنان ، وهي تقودها وتقبل بها إلى أولياء اللّه - وأنت فيهم - معتدلة في خبيها بحسن سيرها ؛ لأنها نجب خلقت على حسن السير من غير تعليم من العباد ، فهي نجب من غير رياضة ، ذلل بسلاسلها منقادة من غير مهنة .
فتوهم إقبال الملائكة بها إليهم حتى إذا دنوا من أوليائه أتاحوها .
فتوهم بروكها في حسنها وهيئة خلقها ، وقلبك عارف أنك ستركب بعضها إلى ربك منطلقا في الزائرين له ، فلما أناحوها فبركت على كثبان المسك من رياض