فتوهم نفسك وأنت تمر خفيفا مع الوجل .
فتوهم ممرك على قدر خفة أوزارك وثقلها ، وقد انتهيت إلى آخره ، فغلب على قلبك النجاة ، وعلا عليك الشفق ، وقد عانيت نعيم الجفان وأنت على الصراط ، فحق قلبك على جوار اللّه عز وجل ، واشتاق إلى رضا اللّه ، حتى إذا صرت إلى آخره خطوات بأحد رجليك إلى الحرصة التي بين آخر الجسر وبين باب الجنة ، فوضعتها على العرصة التي بعد الصراط ، وبقيت القدم الأخرى على الصراط ، والخوف والرجاء قد اعتليا في قلبك وغلبا عليك ، ثم ثنيت بالأخرى فجزت الصراط كله واستقرت قدماك على تلك العرصة ، وزلت عن الجسر ببدنك وخلفته وراء ظهرك ، وجهنم تضطرب من تحت من يمر عليها ، وتثب على من زل عنه مغتاظة تزف عليه وتشهق إليه .
ثم التفت إلى الجسر فنظرت إليه باضطرابه ، ونظرت إلى الخلائق من فوقه ، وإلى جهنم من تحته تثب وتزفر على الذين زلزلوا عن الصراط لها في رؤوسهم وأنحائهم قصيف ، فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ما نجاك اللّه منه ، فحمدت اللّه وازددت له شكرا ، إذ نجوت بضعفك من النار ، وخلفت النار وجسرها من وراء ظهرك ، متوجها إلى جوار ربك .
* * *
الوصايا — صفحة 420
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٢٠