فلو رأيتهم وقد عطشوا وجاعوا ؛ فنادوا من أهل الجنة الأقرباء ، فقالوا جميعا : يا أهل الجنة . . يا معشر الآباء والأمهات والإخوة والأخوات . . خرجنا من قبورنا عطاشا ، وأوقعنا بين يدي اللّه عز وجل عطاشا ، وأمر بنا إلى النار عطاشا ، أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه ، فأجابوهم بالتخسية ، فتراجع في قلوبهم الحسرة والندامة ، فهم فيها يتقلقون لا ينفح وجوههم روح أبدا ، ولا يذوقون منها باردا أبدا ، ولا يطبقون جفونهم على غمض توم أبدا ، فهم في عذاب دائم وهوان لا ينقطع .
فمثل نفسك بهذا الوصف إن لم يعف عنك ، فلو رأيت المعذبين في خلقهم ، وقد أكلت النار لحومهم ، ومحت محاسن وجوههم ، واندرس تخطيطهم ، فبقيت العظام مواصلة محترقة مسودة وقد قلقوا واضطربوا في قيودهم وأغلالهم ، وهم ينادون بالويل والثبور ، ويصرخون بالبكاء والعويل ، إذا لذاب قلبك فزعا من سوء خلقهم ، وتضعفت من رائحة نتنهم ، ولما بقي روحك في بدنك من شدة وهج أبدانهم وحرارة أنفاسهم ، فكيف بك إن نظرت إلى نفسك فيها وأنت أحدهم ؟ وقد زال من قلبك الأمل والرجاء ، ولزمه القنوط والإياس ، وعطفت على بدنك فتقحمت في الحدقتين ؛ فسمعت تفصيصها انتقاما وبدلا من نظرك إلى ما يحب ولا يرضى ، ودخلت النار في مسامعك ، فتسمع لها فيه تقصيفا وجلبة ، والتحفت عليك فنفضت منك العظام ، ودوبت اللحام ، اطلعت إلى الجوف ، فأكلت الكبد والأحشاء ، فغلبت على قلبك الحسرات والندامة والتأسف .
فتوهم ذلك بعقل فارغ ، وقد هاجت منه ، رحمة لضعفك ، وارجع عما يكره مولاك وترضى عسى أن يرضى عنك . وأعذ به بعقلك ، واستقله يقلك عثراتك . وابك من خشيته عسى أن يرحمك ويقيل عثراتك ، فإن الخطر عظيم ، وإن البدن ضعيف ، والموت منك قريب ، واللّه جل جلاله مع ذلك مطلع يراك ، وناظر لا يخفى عليك منك سر ولا علانية ، فاحذر نظره بالمقت والبغضة والغضب والقلاء ، وأنت لا تشعر فرحا أو قرير العين .
الوصايا — صفحة 418
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤١٨