لها قصيف في جسدك ، ثم لم تلبث أن تقطر بدنك ، وتتساقط لحمك ، وبقيت عظامك ، ثم أن أطلقت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه .
فتوهم كبدك والنار تداخل فيها ، وأنت تنادي ، فلا ترحم وتبكي وتعطي الندم إن رددت ألا تعود ، فلا تقبل توبتك ، ولا يخاب نداؤك .
فتوهم نفسك وقد طال فيها مكثك ، وألح العذاب ، فبلغت غاية الكرب ، واشتد بك العطش ، فذكرت الشراب في الدنيا ، ففرغت إلى الجحيم ، فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك ، فلما أخذته نشت كفك من تحته ! وتفسخت لحرارته ، وهيج حريقه ، ثم قربته إلى فيك فشوى وجهك ، ثم تجرعته فسلخ حلقك ، ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك ، فناديت بالويل والثبور ، وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته ، ثم أقلعت الحريق ، فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد - كما تعودت في الدنيا الاغتسال والانغماس في الماء إذا اشتد عليك الحر - فلما اغتمست في الحميم تسلخ من قرنك إلى قدمك ، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك ، ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم ، وأنت تطوف بينها وبين الحميم آن ، وهو الذي قد انتهى حره ، وتطلب الروح فلا روح بين الحميم والنار . . تطلب الروح فلا روح أبدا .
فلما اشتد بك الكرب والعطش ، وبلغ منك المجهود . ذكرت الجنان ، فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفا على جوار اللّه عز وجل وحزنا على نعيم الجنة ، ثم ذكرت شرابها وبرد مائها وطيب عيشها ، فتقطع قلبك حسرة لحرمان ذلك .
ثم ذكرت أن فيها بعض القرابة من أب أو من أم أو من أخ وغيرهم من القرابة ، فناديتهم بصوت محزون من قلب محترق قلق : يا أماه ، أو يا أبتاه ، أو يا أخاه ، أو يا خالاه ، أو يا عماه ، أو يا أختاه ، شربة من ماء . . فأجابوك بالخيبة ، فتقطع قلبك حسرات بما خيبوا من أملك وبما رأيت من أملك ، وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك عز وجل .
ففزعت إلى اللّه بالنداء بالمرجع والعتبي أن يردك إلى الدنيا ، فمكث عنك
الوصايا — صفحة 416
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤١٦