فتوهم رضاه عنك حين سمعته منه ، فثار في قلبك فامتلأ سرورا ، وكدت أن تموت فرحا ، وتطير سرورا ، ويحق لك ، فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا اللّه عز وجل ؟ !
فو اللّه تعالى لو أنك مت فرحا في الدنيا حين توهم رضاه في الآخرة لكنت بذلك حريا ، وإن كنت لم تستيقن برضاه في الآخرة ، ولكن آملا لذلك ، فكيف بك مستيقنا له في الآخرة ؟ ولو توهمت نفسك وقد بدا لك منه الرحمة والمغفرة ، كنت حقيقا أن تطير روحك من بدنك فرحا ، فكيف أن لو قد سمعت من اللّه عز وجل الرضا عنك والمغفرة لك ، فأمن خوفك ، وسكن حذرك ، وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد ، وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدا لا يغني ولا يبيد بغير تنقيص ولا تكذيب .
فتوهم نفسك بين يدي اللّه عز وجل ، وقد بدا لك منه الرضا ، وطار قلبك فرحا ، وابيض وجهك ، وأشرق وأنار وأحال عن خلقته ، فصار كأنه القمر ليلة البدر .
ثم خرجت على الخلائق مسرورا بوجه مجبور ، قد حل به أكمل الجمال والحسن ، يسطع نورا مشرقا بتلألئه ، تتخطاهم بالجمال والحسن والنور والضياء ، كتابك بيمنك ، أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق :
هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا .
لقد شهرك ربك عز وجل بالرضا عنك عند خلقه ، ولقد حقق حسن ظن الظانين ، وأبطل تهم المتهمين لك ، وإن في هذه المنزلة غدا على رؤوس الخلائق لعوضا من المنزلة عند العباد بطاعته والتصنع لهم زهدا في المنزلة عندهم ، والتعظيم عندهم بطاعة ربه عز وجل بصدق معاملته وحده لا شريك له ، عوضك المنزلة الكبرى على رؤوس الخلائق ، فشهرك برضاه عنك وموالاته إياك .
فتوهم نفسك وأنت تتخطى الخلائق ، وكتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره ، وفرح قلبك وسروره ، وقد شخصت أبصارهم إليك غيظة لك وتأسفا على أن ينالوا من اللّه عز وجل ما نلت ، فليعظم من اللّه عز وجل في طلب ذلك
الوصايا — صفحة 410
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤١٠