فتوهم حين وقفت بالاضطراب والارتعاد .
وتوهم مباشرة أيديهم على عضديك ، وغلظ أكفهم حين يأخذوك .
فتوهم نفسك محثوثة في أيديهم ، وتوهم تخطيك الصفوف ، طائرا فؤادك ، متخلصا قلبك .
الوقوف أمام اللّه :
فتوهم نفسك في أيديهم كذلك حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن ، فقذفوا بك من أيديهم ، وناداك اللّه عز وجل بعظيم كلامه : ادن مني يا بن آدم ، فغيبك في نوره ، فوقفت بين يدي رب عظيم جليل كبير كريم بقلب خافق محزون ، وجل مرعوب وطرق خائف خاشع ذليل ، ولون متغير ، وجوارح مرتعدة مضطربة ، كالجمل الصغير حين تلده أمه ، ترتعد بيدك صحيفة محبرة لا تغادر بلية كسبتها ولا مخبأة أسررتها ، فقرأت ما فيها بلسان كليل ، وحجة داحضة ، وقلب منكسر ، فكم لك من حصن وخجل وجبن من المولى الذي لم يزل إليك محسنا ، وعليك سائرا فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك ، وعظيم جرمك ، وبأي قدم تقف غدا بين يديه ، وبأي نظر تنظر إليه ، وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟
فتوهم نفسك بصغر جسمك ، وارتعاد جوارحك ، وخفقان قلبك ، وقد سمعت كلامه بتذكير ذنوبك وإظهار مساوئك ، وتوفيقك بمخباتك .
فتوهم نفسك بهذه الهيئة ، والأهوال بك محدقة من خلفك ، فكم من بلية قد نسيتها ، قد ذكرتها ؛ وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها ، وكم من عمل ، قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده ، قد رده في ذلك الموقف عليك وأحبطه ، بعد ما كان أملك فيه عظيما .
فيا حسرات قلبك ، وتأسفك على ما فرطت في طاعة ربك ، حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بلية ، ونشر كل مخبأة ، فأجهدك الكرب ، وبلغ منك