يعظم قدر النعمة عليه إذ أذن له ربه في مناجاته ، بل لم يرض بالإذن حتى جعله فرضا لازما ، وحتى حرك إلى ذلك قلبه ، وحببه إليه ، ولو شاء لم يأذن لعاص في مناجاته إلا بعد التوبة ، ولا لمطيع إلا بعد أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ، شكرا فيما أنعم عليه به من ذلك . ولكنه كريم رحيم بخلقه . ولقد أمر تعالى في مناجاة رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصدقة بين يدي ذلك إعظاما له ، ثم نسخ ذلك تخفيفا .
وإن بعض ملوك الدنيا لم يأذن لمن له القدر عنده في مناجاته فما يناجيه إلا بالتواضع ، فكيف إذا أذن لمن تقدم له ذنب وجنابة وإساءة ؟ كيف يكون من المسكنة والوجل من العقوبة ؟ فلا تنظر إلى زلته ومسكنته لما تقدم من عصيانه .
فكيف بالملك العظيم ، وكلنا مناج له على تضييع لحقوقه ، ومخالفة أمره ، فنحن أحق بالخوف والوجل من الملك الجبار ، المتكبر الشديد العقاب .
فليعقل العبد قدر ما حركه اللّه عز وجل إليه من مناجاته ، وليخف من ذنوبه ، وليحذر فليتذلل ، ويقبل عليه بقلبه ، وخضوع جوارحه ، لعله أن يعفو عن طول إعراضه عنه ، وعن نشاطه في معاصيه فيما خلا من عمره ، وقديم غفلته عنه وعن حقوقه .
وكان كثير من العلماء سها في صلاته بشيء من أمور الدنيا أشغله ، عاقب نفسه بصدقة متقربا بذلك إلى اللّه عز وجل ، رجاء أن يكون عوضا لما نقص من صلاته .
من ذلك خبر أبي طلحة الأنصاري في حائطه الذي صلى فيه ، وأعجبه دبسي طار من الشجرة يلتمس مخرجا ، فأتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته ، فلم يدر كم صلى ، فذكر ما أصابه في حائطه من الغلبة ، فقال : يا رسول اللّه هو صدقة ، فضعه حيث شئت . رواه مالك بن أنس .
وروي في الرجل الذي صلى في حائط له والنحل مصفوفة « 1 » بثمرها ، فنظر إلى ذلك فأعجبه ، فلم يدر كم صلى ، فذكر ذلك لأمير المؤمنين عثمان رضي اللّه
هامش
( 1 ) في الأصل : مصوفة .