ذلك مع حجب قلبه عن طيب ذكر ربه ، والأنس به ، والقرب منه ، وتركه طلب نجاته في آخرته ، وتعرضه لعذاب الأبد عن قليل بعد موته لأن الراكن المؤثر لذلك على طاعة ربه يتوقع الموت كما يتوقعه المقبل على ربه ، فإما الرضى وحسن المآب ، وإما السخط وسوء المآب .
فلا يجد الراكن إلى الدنيا حلاوتهما ، والرافض للدنيا يتنعم بهما ، لأنه قد ترك الدنيا لمن لا يخيب من طلبه ، ولا يترك مكافأة من عمل له ، ولا العوض له في الآخرة بما صبر عنه في الدنيا .
قد عقل لمن عمل ، وأيقن بسرعة لقائه عاجلا ، فهو لأهل الدنيا راحم إذا اشتغلوا بما به يتعذبون ، وعن قليل إياه يسلبون ، ثم لا محيص لهم من الحساب عليه ، مع ما حرموا مما ادخره المتقون عند ربهم ، وقدموا لأنفسهم .
يا أخي . . . كيف يكون هذا المريد المتقشف المتقلل مسكينا وهو للخلفاء والملوك مزاحم . . ينظر إليهم وما ينوبهم في الدنيا من همومهم ونصيبهم ، وما يعلم مما يلاقون من شدة الحساب بعد موتهم ؟
أم كيف يكون ذليلا من هو باللّه عزيز ، وبذله وخشوعه يبتاع عز الأبد ، في جوار الرب الأكرم ؟
بل هو في الدنيا عزيز به ، فارق عز الدنيا ليعوضه مولاه الرفعة عنده في جنته .
أم كيف يكون غريبا من كان له أنيسا ؟
أم كيف يغم التفرد وقطع محادثة العباد من كان قلبه من الحكمة مؤيدا ، ولسانه بمناجاة اللّه دائبا ؟
أم كيف يكون ضعيفا من رفض سعة الدنيا ، ولم يرتض بها عيشا ، إذ أيقن أنه لها مفارق ، وأنه يطلب برفضها التبجح في سعة جوار ربه مع خلود الأبد .
الوصايا — صفحة 350
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٥٠