عزة مقام التائبين
فهذا كان طريقه ، وهو الذي نصبه اللّه تعالى للمريد ليؤدب نفسه فلا يزهد الجاهل في مقام المريد المقبل على ربه عز وجل .
تراه من الدنيا متقللا ، ذليلا خاشعا ، حزينا باكيا ، منقبضا عن أبناء الدنيا « 1 » مظلوما لا ينتصر « 2 » ، ومسلوبا لا يكافأ ، شعثا أغبر ، متقشفا ، منفردا غريبا .
لو اطلع الجاهل على قلبه ، وما استودعه اللّه تعالى من إحسانه ، وما أعقبه مما ترك من زينة الحياة الدنيا ونعيمها ، لرغب في مقامه ، وعلم أنه الغني الجميل ، المتلذذ الفرح المسرور ، لأنه قد أدرك بغيته ، وظفر بطلبته من ربه ، لأنه فارق المنغص من الدنيا ، المكدر الذي لا ينال إلا بهموم الحرص ، ونصب الطلب . وشغل القلوب به أن تناله ، وخوفها أن يزول فتفتقر بفقده « 3 » ، مع أسقام وأمراض ، وآفات ومصائب ، وفجائع ومكاره لا ينفك منها من ركن إلى
هامش
( 1 ) المراد بأبناء الدنيا : عشاقها ، الحريصون عليها ، المشتغلون بها عن اللّه ، أما العاملون في عمرانها على مقتضى أمر اللّه تعالى ، المراقبون للّه في كل أعمالهم فليسوا مرادين هنا ، ولم يؤمر المؤمنون بمجانبتهم . انظر : ( الكاسب 176 ) .
( 2 ) وذلك عملا بقوله تعالى :( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) .( 3 ) ليست هذه دعوة للسلبية ، وإنما هي الايجابية في العمل لعمران الحياة كما أمر اللّه ، والسلبية بالنسبة للحرص الذي يشغل الانسان عن دينه وربه .