تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
الجاهل بأمره أن طيفا من الجن قد اعترض له ، وقد خامرته في أكثر أحواله البهتة ، وغلبت عليه الكآبة ، فهو في نهاره نافر مستتر ، مستوحش من الخلق « 1 » ، وليله ليل مضطرب . فلو أبصرته أيها المغرور بدنياه ، المخدوع عن طريقه ، في سواد ليله وقد هدأ العباد ولم يهدأ فؤاده ، وسكن الخلق ولم يسكن خوفه ، واستراحت الخليقة ولم يفتر حنين قلبه ، وقام بين يدي ربه بقلبه المحزون ، وفؤاده المغموم ، منكسا رأسه ، مقشعرا جلده ، وقد ثنى عنقه ، وحنى صلبه ، والحياء قد غلب على قلبه ، فافتتح كتاب ربه ، مع تعظيمه لما يتلو ، إجلالا للمتكلم به « 2 » . فما لبث أن هاجت عليه أحزانه ، واشتعلت حرقات فؤاده ، وأسبل دمعه ، وحن في بكائه خشية أن تسمعه أذن غير سمع ربه « 3 » فأنفاسه متوهجة ، وزفراته بحرق فؤاد ، متصلة . فلما طال منه القيام بين يدي ربه ، اشتاق إلى التذلل له بتعفير وجهه ، خضوعا له ، فلو أبصرته منحطا من انتصابه بحرقة قلبه ، وأزيز صدره ، وتراجع أنفاسه ، فخر ساجدا على وجهه ، ذاكرا لنظر مولاه إليه ، سائله دموعه على خده ، حتى أثرت في وجهه ، يضرع ويتضرع ، ويهتف ويبكي ، ويزفر وقد ملأ العظيم قلبه ، وأذهبت رهبة اللّه عقله « 4 » .
هامش
( 1 ) ليست الوحشة من الخلق عند المحاسبي هي العزلة عنهم ، وخلاصة مذهبه في ذلك قوله لتلميذه الجنيد البغدادي : « لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما أنست لقربهم ولو أن نصفه الآخر بعد عني ما استوحشت لبعدهم » ( حلية الأولياء 90 - 180 ) . ( 2 ) يريد أن التائب الصادق يتوهم أنه يسمع القرآن من ربه فيجله ويعظمه لذلك . ( 3 ) البكاء عند مناجاة اللّه تعالى مشروع في القرآن حين يقول تعالى في علامات الصادقين :( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ )وقوله :( خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ) .( 4 ) يرى المحاسبي : أن الشيطان لا يسكن إلا القلب الخرب . ويرى أن خراب القلب إنما يكون إذا كان فارغا من الحزن والخوف الدائم ، فحينئذ ينقث فيه بالوسوسة وتمنى الدنيا ، والطمع فيها ومخافة فقرها . انظر : ( آداب النفوس : باب معرفة النفس . والقصد إلى اللّه ، وأعمال القلوب والجوارح : 110 ) .
الوصايا — صفحة 345 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا