تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤

دلائل الصدق في التوبة

الجد في الطاعة :

فلما تبدلت أحواله ، واستحلت ( النفس ) ما كانت تشمئز منه ، وأنست بما كانت منه نافرة ، وزهدت فيما كانت فيه راغبة ، وأنار منه اليقين ، فشاهد ما غاب من الآخرة بعقله ، فقوى تعظيم اللّه في قلبه ، واشتد خوفه منه ، ورجاؤه إياه ، فهاج منه الحياء من اللّه وأزعجه عن كل قاطع يقطعه من قرب ربه ، وسبب يشغله عنه وبعثه الرجاء ، ونشطه الدءوب ، والاجتهاد ، وأهاجه لحب على مناجاة سيده ، والأنس به ، والوحشة مما سواه . فأطال مناجاته ، وأقبل اللّه تعالى بعوائده ، واتصال المزيد في قلبه ، فأنار فيه ذكره ، وعظم فيه حبه ، مع شدة الشفق أن يحال بينه وبينه ، فاشتد شوقه إلى مولاه ، وطال حزنه ، ووله عن الدنيا عقله إجلالا وإعظاما لهيبته ، مع الشفق والوجل أن يقطع عن فرير عينه .

الحزن والخوف :

وذعر وفزع ، فمرة تنفضه الرعدة برجفان قلبه ، ومرة يهيج منه الانثناء بسيلان دموعه بالحرقات ، وطورا يثور بالزفرات ، وتارة يزول عقله « 1 » ، يحسب
هامش
( 1 ) ليس المراد من زوال العقل هنا : الجنون ، وإنما المراد الذهول ، وشدة الخشوع ، وهو معنى قول تعالى :( وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ) .