الجوع ذلت وخشعت ، فأمكنت من المعاتبة ، فحمل عليها فلم تقبل ، فذكرها عذاب اللّه ، وسوء المصير لمن أعرض عنه ، وتعرض لمقته .
فلانت له قليلا ، وسوفته ، ووعدته الترك لذلك عن قليل ، لتقضي بعض حوائجها ، وتداري بعض من تحبه .
فحمل عليها بالوعيد كما يحمل البطل على قرنه « 1 » ، وألح بالزجر والتذكير ، وعظم عندها الرب عز وجل ، وكرر عليها شدة نقمته ، وعظيم عقوبته .
الحنين إلى بعض الشهوات دون بعض :
فأذعنت ، وطاوعت إلى إجابته إلى قطع تلك الأسباب ، وأبت أن تقطع باقي أسباب معاصيها .
فأمسك عنها وهو مغموم بعصيانها ، فنوى أنها متى أرادت أن تتعرض للأسباب التي أبت أن تقطعها : أن يحجزها عنها .
فلما قطعت بعض أسبابها واستبدلت بها أضدادها : من صاحب مرشد بدلا من الصاحب المغوي ، ومن تيقظ وتذكر بعد سهو وغفلة ، ومن تثبت وفكرة بعد طيش وعجلة ، والإدمان على مناجاة الرب جل ذكره ، بحلاوة تلاوة كتابه ، والنظر في العلم من آثار نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وآداب الصالحين بعده - بعد كثرة الخوض والاستراحة إلى محادثة المفسدين .
واستبدل بعد كثرة الكلام صمتا ، وبكثرة اللحظ إلى ما لا يحبه مولاه غضا ، وبادر إلى ترك الكثير من شهواته التي تباعده من ربه ، وتوقى كثيرا مما خبث من مكاسبه ، وما لا يطيب من غذائه .
فلما بلغ هذا ، اجتمعت أنوار ذلك في قلبه « 2 » واستنارت مواريث الطاعة في
هامش
( 1 ) القرن : المبارز من الأعداء .
( 2 ) الأنوار الناشئة عن ترك المعاصي هي المعبر عنها في السنة النبوية بحلاوة الإيمان ، أو حلاوة العبادة .