تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
فمنعها من بعض لذّتها : من كثرة الطعام الذي ألفته ، من اللحم وغيره ، وشدة البطنة والامتلاء ، وتعاهدها بالصوم إن قوي عليه . لأنه لما رأى شهوتها تنازعه من قبل طبعها ، أراد أن يكسر قوى شهواتها ، ليخلو قلبه ، فينظر إلى أعاجيب آخرته ، ووعد ربه ووعيده ، ويتيسر ويصفو ذكر ربه في قلبه « 1 » .

النفس تسلم قيادها :

فرع لها بالفكر والتوهم أعلام الآخرة ، فشاهد بها أهوالها وشدائدها . وأراها بالتوهم النار والجنة من ورائها ، وأنها لا تصل إلى الجنة إلا بعد النجاة من عذابها . فأبصرت ما لا صبر لها عليه ، فسخت بترك ما يحب طبعها خوفا أن يورثها الركون إلى ذلك ما لا صبر لها عليه . فكان مثله في ذلك كالذي وقع الداء في رجله ، فاسودت وتآكلت فخشي إن لم يقطعها أن يدب ( الداء ) منها إلى جميع بدنه ، فبذل بعض ما له لمن يقطعها بشهوة وسرور لقطعها ، بعد ما كان يعز عليه أن تنقطع شظية من ظفر أظفارها ، ولكن لما رأى السبب الذي لا يأمن أن يؤديه إلى عطب بدنه ، سخت بذلك نفسه ، خوفا مما هو أعظم منه . فكذلك هذا الذي نظر إلى آخرته ، ورأى أسباب هلاكه فيها في قلبه وجوارحه ، ففارق ذلك بسخاء نفس ومحبة ، ولو كان لا يقدر عليه إلا ببذله ما
هامش
( 1 ) كتب المحاسبي رسالة في أمور الآخرة سماها « التوهم » وتحدث عن مادة الفكرة في كثير من كتبه في « آداب النفوس » قال : « والزم يا أخي قلبك الفكرة في أمر المعاد ، فلا يفارق قلبك ، وتوهم بقلبك هول المطلع عند مفارقة الدنيا ، وترك ما قد يذل أهلها فيه مهج نفوسهم ، وتدنيس أعراضهم ، وأخلاق مروءتهم ، ثم تركوا ذلك كله ، وقدموا على اللّه فرادى وآحادا . . . فإنك إن شغلت قلبك بذلك ، وكان فيك شيء من صحة تركيب العقل فإنه لا يعدمك الخوف اللازم المحيط بقلبك . . . » أنظر ( آداب النفوس . باب معرفة النفس ) .