فلم تمكنه من معاتبتها ، وأعرضت عما يقرعها به ويذكرها .
عزل النفس عن مواطن المعصية :
فكان أول ما بدأها به من الأدب لتفهم وتعقل ما ألقي إليها : أن ألزمها الصمت ، وحال بينها وبين من يشغلها بحديثه .
فلما لم تجد من تحادثه صمتت ، فلما طال ( بها ) الصمت سكتت « 1 » .
فلما طال السكوت تبين لها كثير مما كانت تخوض فيه من الخطأ والزلل ، وانكسرت لما علمت أنها كانت خائضة في الباطل ، متعرضة لسخط مولاها .
إدمان معاتبتها وتخويفها :
ثم ابتدأ في معاتبتها . وتقريرها بالسوء الذي صنعت ، وبما هي إليه صائرة عن قليل .
فلم يزل يلح عليها ، حتى لانت ، واعترفت بذنوبها ، وأقرت بسوء صنعها ، ودوام غفلتها عن نجاتها .
فلما اعترفت بذلك ، ذكرها عظيم جرائمها ، وكثرة ذنوبها ، وأدام ذلك عليها ، وجعله عمله ، لا عمل له غيره « 2 » .
فأوجع ذلك ضميرها ، فسالت دمعتها ، واستغفرت اللّه من سوء ما تقدم من صنيعها .
فحمل عليها ، وذكرها : أن المقام على ما عرفت ، وبه أقرت ،
هامش
( 1 ) الفرق بين السكوت والصمت : أن الصمت سكوت اللسان ، وشغل النفس بالكلام .
والسكوت : سكوت اللسان والنفس جميعا .
( 2 ) مذهب المحاسبي : أن العكوف على تطهير النفس من الذنوب أفضل من عمل النوافل وهي مقيمة على عمل الشر ، وأن عمل الخير إذا خالطه الشر انقلب إلى شر وإنما ترفض النفس ذلك لثقل التطهير عليها .
أنظر ( آداب النفوس : باب الإرادة ) .