تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢

خلائق النفس الأمارة بالسوء :

ثم نبهه لمعرفته بنفسه . وأول ذلك : أن نبهه لتذكر ما سلف من جناية نفسه عليه ، من كثرة الذنوب التي كتبت عليه في صحيفته ، والتي لا يمحى ما فيها عنه حتى يوقفه عليه ربه ، ويسائله عن جميع ما جنت عليه نفسه ، مما كتبه وأثبته عليه ، فيقر بأعظم الحياء ، وأشد الخطر ، وأعظم الخوف والوجل . ومن ذلك ، فإنه لا يأمن أن يبدو له عند قراءة ما في صحيفته من اللّه الغضب ، فيجر ويسحب من بين يدي اللّه إلى عذاب الأبد . ثم ذكره : أن نفسه كانت في جميع ما جنت عليه من سالف عمره تأتيه بسرور ونشاط ، لم تزل مختلفة « 1 » راغبة ، متيقظة فطنة ، متلحظة إلى ما يهلكها في آخرتها ، مسرورة متنعمة بما يسخط مولاها ، كأن اللّه لا يميتها ولا يفنيها ، وعن سوء حالها لا يسألها ، وكأنه لم يزجرها ، ولم يتوعدها . بل كأنه ازدجرها وتوعدها ، ولا يقدر على عذابها بما توعدها به ، أو كأنها ممتنعة منه ، ولها ناصر ينصرها . وكانت - مع سرورها ونشاطها في جميع ما يكره ربها - معرضة عن ( سبيل ) نجاتها في آخرتها ، مستثقلة لأقل القليل مما يرضي عنها ربها ، نافرة ناشزة كارهة « 2 » مبغضة للتعرض لأسباب عزها عند مولاها . فإن عملت بالقليل من طاعة مولاها فمجبورة مكرهة . بعد جذب منه لها ومجاهدة . فإن طال المكث في طاعة مما يقربها إلى ربها ، نازعته إلى تركها « 3 » . وثقلت عليه ما هو فيه ( من عمل الآخرة ) . وذكرته طيب راحة بدنه في ترك تعب الطاعة . وخوفته فوت بعض حوائجه .
هامش
( 1 ) مختلفة : مترددة بين الشهوات . ( 2 ) ناشزة : نافرة عاصية . ( 3 ) في الأصل : إلى تركه .