من المتقين . فأعادها عليه ، فشهق شهقة لحق منها بالآخرة .
قلت : كيف حاله عند سكون هيجان الخوف عنه ؟
قال : تراه قاعدا مستوفزا ، كأنه يريد شيئا يريده أو يراد به ، كما قال عبد اللّه بن المبارك :
مستوفزين على رحل كأنهم * ركب يريدون أن يمضوا وينتقلوا
حتى لقد جعلوا أوقاتهم إبلا * فلن يحطوا رحال الإبل أو يردوا
قلت : والحركات التي يظن أنه مأخوذ عندها ، ما هي ؟
قال : مثل : الهدة « 11 » ، والوجبة « 12 » ، والضجة على غفلة ، والرعد ، والبرق ، والريح ، أو كلمة تصادف منه مواجيد قلبه .
وقد روي عن بعضهم أن كان يوقد تحت قدر له ، فأصاب وجهه شيء من سواد القدر ، فقالت له ابنته : يا أبتاه ، وجهك أسود . فصاح صيحة خر مغشيا عليه ، فلما أفاق مسح بيده على وجهه وقال : خفت أن يكون اللّه قد سود وجهي في الدنيا قبل الوصول إلى الآخرة .
ألا ترى أنها لما صادفت الكلمة ما قام في وهمه من التخوف استغرق قلبه في تعجيل النكال ؟
وقد روي عن زرارة بن أوفى « 13 » : أنه قرأ في محرابه :
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
« 14 » . فشهق شهقة ورفع من المحراب ميتا .
وقال عثمان بن عمارة « 15 » : أخبرني صالح المري « 16 » - وكان وصافا لطريق
هامش
( 11 ) الهدة : الصوت الشديد المفاجئ .
( 12 ) الوجبة : حركة القلب بالخوف .
( 13 ) زرارة بن أوفى : انظر ترجمته في كتاب الكواكب الدرية 2 / 96 .
( 14 ) المدثر : 8 ، 9 .
( 15 ) عثمان بن عمارة : انظر ترجمته في الكواكب الدرية 1 / 133 .
( 16 ) صالح المري هو ابن بشير ، أبو بشر ، كان مملوكا لامرأة من بني مرة بن الحارث ، من بني بني عبد