العابدين - قال : قدم علينا محمد بن صبح السماك « 17 » ، فقال : أرني عجائب عبادكم . فذهبت به إلى رجل ، فإذا هو في خص له ، فاستأذنا ودخلنا ، فإذا هو يعمل الخوص ، فقرأت عليه :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
« 18 » . فشهق شهقة ، فإذا هو قد يبس مغشيا عليه .
فخرجنا من عنده ، وتركناه على حاله ثم أتينا رجلا آخر ، فاستأذنا عليه ، فقال : ادخلوا إن لم نشغلونا عن ربنا . فدخلنا ، فإذا هو جالس في مصلى له ، فقرأت عليه :
. . . ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
« 19 » . فشهق شهقة بدر الدم من منخريه ، ثم سقط متشحطا في دمه ، مغشيا عليه .
فخرجنا من عنده ، وتركناه على حاله ، حتى أدرته على ستة أنفس ، كل نخرج من عنده وندعه على مثال صاحبه .
حتى أتينا السابع ، فاستأذنا عليه ، فقالت امرأة من وراء الخص :
ادخلوا . فدخلنا ، فإذا شيخ كبير فإن في مصلاه ، فسلمنا وجلسنا ، فلم يعقل مقصودنا ولا سلامنا ، فقلت له بصوت عال : إن للخلق غدا موقفا ومقاما .
فقال : بين يدي من ويحك ؟ ثم بقي مبهوتا ، فاتحا فاه ، شاخصا ببصره ، ويصيح بصوت ضعيف ، حتى انقطع صوته .
هامش
القيس فأعتقته ، وصفه سفيان بأنه نذير قوم ، بعد أن ظن أنه من القصاص ، أسند عن الحسن ، وابن سيرين ، وثابت ، وقتادة ، وبكر بن عبد اللّه المزنى ، في خلق كثير من التابعين ، مات سنة 170 ه ( صفوة الصفوة 1 / 108 ) .
( 17 ) محمد بن صبح السماك ، يكنى أبا العباس . أسند عن عدة من التابعين ، منهم : إسماعيل بن أبي خالد ، والأعمش ، وهشام بن عروة . روى عنه حسين الجعفي ، ويحيى بن يحيى النيسابوري ، وأحمد بن حنبل . وهو كوفي ، ولكنه قدم بغداد فمكث بها ثم عاد إلى الكوفة ، ومات بها سنة 183 ه ( صفوة الصفوة 1 / 80 ) .
( 18 ) غافر : 71 ، 72 .
( 19 ) إبراهيم : 14 .