وكنت إذا رأيت عبد اللّه بن أبي الهذيل « 7 » رأيته كأنه مذعور الدهر كله .
وذكر عطاء أنه كان إذا هاجت الريح بالبصرة ، أو حدث بها حادث قال :
« هذا من أجلي يصيبهم ، لو مات عطاء لاستراح أهل البصرة » « 8 » .
وذكر عن عتبة الغلام أنه اشترى تمرا بنصف دانق ، فهاجت الريح ذلك الوقت ، فخرج عتبة هاربا على وجهه وهو يقول : يا رب لا أعود ، يا رب لا أعود . فلما سكنت الريح أقبل على نفسه ، وجعل يعاتبها ويقول : يا نفسي ، هذا من جرأتك على اللّه عز وجل ، وشرائك التمر بالقراريط .
وكان عبد الواحد بن زيد يقول : إذا ارتفع هذا الغيم لأنت بطن عطاء من شدة أن ينزل به العذاب .
وكان يقال : ما هلك من هلك حتى حيل بينه وبين السماء .
فهذه علامة الخائف في ظاهره .
قلت : فما العلامة في باطنه ؟
قال : إنه ربما أراد أن يسأل اللّه عز وجل حاجة أو يدعوه ، فينقطع عن ذلك مخافة أن يمنع ، لمعرفته بنفسه ، وعظيم قدر اللّه تعالى عنده ، ولا تحرك حارك إلا وظن أنه مأخوذ عنده بالعاجل ، كما روي عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير قال : سمعت ضجة الناس بعرفات ، فهممت أن أحلف أن اللّه قد غفر لهم ، ثم ذكرت أني فيهم فأمسكت .
وروي عن مسروق بن محمد « 9 » ، وكان من الخائفين : أن رجلا من خثعم قرأ عليه :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
« 10 » . فقال : أعد عليّ ويحك ، فإني أراني من المجرمين ، ولا أراني
هامش
( 7 ) عبد اللّه بن أبي الهذيل : انظر ترجمته في الكواكب الدرية 2 / 75 .
( 8 ) هذه مبالغة غير مقبولة ، فما من أجل صالح ينزل البلاء ، حتى ولو كان فاسقا ، فما من أجل مخطئ واحد ينزل البلاء ، ولكنها حساسية مفرطة ، أو أقوال بالغ فيها الرواة .
( 9 ) مسروق بن محمد جد سفيان الثوري . كان عابدا زاهدا عالما رأسا في العلم مات عام 115 ه .
( 10 ) مريم : 85 ، 86 .