فإذا عرفته بهذه المعرفة ، وعاديته بهذه العداوة ، توحشت منه أشد من توحشك بظاهر مشاهدته ، وخفت أن تميل إلى مصالحته ، فيعقبك من ذلك العطب .
قلت : رحمك اللّه ، يكون أحد يقبل ممن يبغضه ، ويطيع من يهلكه ؟
قال : تلحقه هذه الفروع لعلة الغفلة ، ويخالفه في الأصول لمعرفته ، لأنه في عقد الايمان مبغض له ، معتقد له العداوة ، ولا يقبل منه نصيحة ، ولا يجيبه إلى نزغة ولا خطرة .
وأما في الفروع فإنه يقبل عليه بمطالبته ، ويريه أنه ليس بضار ما يدعو إليه ، وقد غلب عليه الهوى ، وجرته أسباب الرخصة ، وأسرته الفتنة ، فعمى عن البصيرة ، وانقاد له بالغفلة ، من مواطأته في الفروع ، وهو معتقد مخالفته في الأصول « 6 » .
فالنجاة في لزوم دوام مخالفته ، والحذر منه ، ثم لزوم الورع .
* * *
هامش
( 6 ) تساءل المحاسبي : هل يعلم الشيطان ما تحدث به النفس فيعارضها بالصد عن الخير ؟ وأجاب :
بأن الشيطان طالت مقارنته للإنسان ، وتفقده لأحواله ، حتى لم تخف عليه حاله ، فعرف مطالبه ومذاهبه ، فعند كل خير صده عنه هذا من غير علم منه بما يحدث ، غير أنه علم أن خيرا قد أحدثه العبد ، وكذلك يعلم أن شرا قد أحدثه ، لا يعلم أي خير ولا أي شر .
ثم تساءل : هل يدعو الشيطان إلى خير يريد الصد به عن خير أكبر منه ؟ وأجاب بقوله :
معاذا اللّه أن يكون من أعمال الشيطان الدعاء إلى خير قل أو كثر لأن اللّه تعالى يقول :إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ( البقرة : 169 ) . ولكن الإنسان إذا عظمت رغبته في الخير وفي الطاعة فقد يفعل من الخير الأقل بدعائه له ألا يفعل . أي هو يدعوه ألا يفعل ولكن العبد يفعل القليل بعد أن كان يفعل الكثير . ( أعمال القلوب والجوارح 80 - 83 ) .
والحيلة التي أشار إليها المحاسبي هنا لإضلال الناس في الفروع . وعدم التعرض لهم في الأصول تنتهي إلى تضييع الأصول ، فما الفروع إلا لتقوية الأصول ، فإذا أهملت ضعفت العقيدة في الأصول ، ثم وهنت ، ثم زالت ، وإن بعثت في الظاهر . . وهي بعينها نفس الحيلة التي يستخدمها أعداء الإسلام في حربه ، إذ يزينون للناس كل ما يصرفهم عن الفكر العميق ورعاية النفس ومراقبتها ، ومن ثم تنطلق في فنون الهوى .