تخلفت عن محاسبة النفوس ، وعميت عن النظر ، فلا ترى النفس جميلا ترغب فيه ، ولا قبيحا تأنف عنه .
قلت : رحمك اللّه ، أخبرني عن الهوى الذي حجبها عن المحاسبة .
قال : الهوى هو : تعلق النفوس بالشهوات ، وميلها إلى الراحات ، فعلى قدر الشهوات يتمكن منها الضعف ، فيستولي عليها الهوى « 6 » .
قلت : كيف أعاقب نفسي على ما جنت ؟
قال : تفرق بينها وبين محابها ، وتأخذ سوط الخشية لها ، بدوام الرعاية لها في سعيها ، وتضاعف عليها أورادها ، وتزيد في كدها ، وتنقص من غذائها ، وتقطعها عن ملاذها ، وتجرعها غيظ التهديد زجرا لها ، حتى يغلب سلطان رعايتك سلطان كبرها ، فعند ذلك يا فتى تذل في نفسها ، وتخضع بعد كبرها ، وتسقط عن كلبها « 7 » وشرها ، وتمر على الاستقامة إلى خالقها ، ومن اللّه التوفيق .
* * *
هامش
( 6 ) الفرق بين الشهوة والهوى . أن الشهوة حال من أحوال النفس ، والهوى مقام من مقاماتها المرذولة ، فالشهوة عارضة ، فإذا استحكمت صارت هوى . والهوى ملكة ثابتة ، وسلوك راسخ يجمع شهوة أو شهوات كثيرة يصعب الإقلاع عنها ، بعكس الشهوة العارضة .
( 7 ) الكلب ، بفتح الكاف واللام : السعار والشراهة .