قلت : صف لي حالة تعينني على مخالفته ، ودفع نزغاته ، وزدني في شرح بيان ذلك .
قال : افهم وفرق بين الداعيين : إلى ما دعا اللّه عز وجل ، وإلى ما دعا إبليس . ثم انظر أيهما أحق أن تجيبه : من دعاك إلى هلكتك ، وتلف نفسك في طول مدتك ، وأتعبك في ثبوت أسباب حيلتك ، ووعدك الفقر في أمنيتك ، أو تجيب من بدأك بنعمته ، ولم ينسك في قديم وحدانيته ، وخصك بالإيمان في علم الغيب في دوام أزليته ، ودعاك إلى جنته ، وحسن كرامته ، ولطيف بره ، وتمام نعمته .
وإنما العدو يريد أن يقطعك عن اللّه عز وجل ، مولاك وسيدك ، بسوء ظنونه وقنوطه ، وشكوكه وخدعه ، وحبائل مصائده ، وكثرة غروره ، ويزين لك العمل في نفسك . قال اللّه عز وجل :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
« 3 » .
ويريد أن يبعدك عن اللّه مولاك ، وعن الحظ الجزيل من اللّه عز وجل ، والنعمة القصوى « 4 » ، ويعطيك الشكوك ، ويأخذ منك السكون ويعطيك الاضطراب ، ويأخذ منك الصبر ويعطيك الجزع ، ويأخذ منك الرضا ويعطيك السخط ، ويأخذ منك الجد ويعطيك الهزل .
يمنعك أن تروح بالثقة ، وتطمئن إلى العدة « 5 » ، ويسلط عليك الحرص ، ويخوفك الفقر وطول الأمل ، وسوء الظن بموعود الرب ، ويثبط عليك نيتك ، ويفسخ عليك عزمك ، ويسوف لك في التوبة ، ويقطعك عن الانكماش والمبادرة إلى ما دعاك اللّه عز وجل ، ويريد أن يفضحك عند خالقك ومولاك تبارك وتعالى .
هامش
( 3 ) النمل : 24 ، العنكبوت : 38 .
( 4 ) كل هذه أمور معلومة بالضرورة فلما ذا أهمل الناس رعايتها ؟
يجيبنا صدر الدين الشيرازي عن السبب فيقول : إنها في اختلاف الناس ، وانشغالهم بالصور عن الحقائق بدواعي النفوس . انظر ( أسرار الآيات ص 53 ) .
( 5 ) العدة : وعد اللّه للعبد بضمان الرزق والكفاية والرعاية والحماية في كنف الإيمان والطاعة .