قلت : فما معنى قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ؟ » .
قال : يزنها وزن من لا يدعها تميل إلى الباطل وزن مثقال ذرة .
قلت : فما ميراث المحاسبة ؟ « 3 » .
قال : زيادة في البصيرة ، وكيس في الفطنة ، وسرعة إلى إثبات الحجة ، واتساع في المعرفة ، وهذا على قدر لزوم القلب للتفتيش .
قلت : بأي شيء يقوى العبد على محاسبة نفسه ؟
قال : بثلاث خصال :
أولاها : قطع العلائق التي تشغله عن جمع الهم على المحاسبة « 4 » ، لأن من أراد أن يحاسب غريمه فرغ قلبه من الأشغال .
والثانية : التفرد لها عن غيرها اختيارا منه ، لخوف الفوت لما أمل من المحاسبة .
والثالثة : الخوف من اللّه عز وجل أن يسائله عما فرط فيما بلغه على لسان نبيه عليه السلام حيث قال : « للمؤمن أن يرى في أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها نفسه » « 5 » . الحديث .
قلت : لم تخلفت القلوب عن محاسبة النفس ؟
قال : من غلبة الهوى والشهوة ، لأنهما ضد النظر والعلم والبيان ، فمن ثم
هامش
( 3 ) اشتهر المحاسبي بالمحاسبة علما وسلوكا . ولذلك سمي بالمحاسبي . وله في كل كتاب من كتبه حديث عنها . وقد جمع أبو نعيم الأصبهاني قدرا كبيرا من أقواله في المحاسبة .
( 4 ) لا يشتت هم الإنسان عن المحاسبة إلا الاسترسال بالخيال أو بالعمل في الشهوات ، والفكر فيها وفي وسائلها ، أما إذا قطع الإنسان على نفسه الخيال فيها فإنها تستجيب لأول منازل المحاسبة . ثم يفرغ نفسه وقلبه من الاشتغال بعمل الدنيا في المكاسب وغيرها . ويفرغ تماما للمحاسبة .
( 5 ) حديث « للمؤمن أن يرى » : أخرجه أبو يعلى والبزار عن أبي هريرة .