ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
« 18 » .
فهذه صفة التائب الصادق في توبته .
قلت : شيء غير هذا ؟
قال : نعم ، ثم يبتدئ من قلبه دوام علم القلب لمنة اللّه عز وجل في التوبة ، وتوفيقه لها ، فيعتقد القلب دوام العمل للّه عز وجل ، لعله الفرح الذي دخل عليه في التوبة ، من روح معرفة النعمة التي ابتدأه بها من التوبة « 19 » .
قلت : فإذا بلغ من التوبة إلى هذه الدرجة ، يجب عليه شيء ؟
قال : نعم ، ما لا غنى به عنه : الشكر للّه على مواهبه له في التوبة ، إيجابا عليه من اللّه .
هامش
( 18 ) التوبة : 118 .
( 19 ) كتب المحاسبي فصلا في صفة التائب وصدقه في كتاب ( بدء من أناب لي اللّه ) ص وما بعدها ، خلاصته :
( 1 ) الجد في الطاعة : إذ يشاهد ما غاب من الآخرة بعقله ، ويقوى تعظيم اللّه في قلبه ، ويشتد خوفه منه ورجاؤه إياه . فيهيج منه الحياء ويزعجه عن كل قاطع ، وينشأ له الدءوب والاجتهاد ، ويهيجه الحب على مناجاة سيده .
( 2 ) سقوط الكلفة في الطاعة . إذ ترتفع عنه السآمة . وتزايله الملالة . لما في صدره من المهابة والجلال لربه .
( 3 ) العلم بطريق التوبة : إذ يصبح بصيرا بداء نفسه ، ونزغات عدوه ، لا يركن إلى خطره ، ولا تجوز عليه زينة فتنته ، بصيرا بالطريق إلى اللّه ، إن أجابك أجابك بالوصف عن طريق سلكه ، وعن آفات رفضها ، وعن مكابد جاهدها ، وعن درجات ارتقى إليها .
( 4 ) العلم بالرجاء والخوف : أحسن الظن بربه ، ورجاء أن يكون لم يمن عليه بالتوبة إلا لسابقة سبقت له منه بالرحمة قبل أن يخلقه ، فغلب الأمل على قلبه إن اللّه تعالى سيعفو عنه إذ من عليه بمنا من ، فأنس بالرجاء ، وعظم الشكر في قلبه ، وخاف أن يعذبه على تضييع الشكر .