كنت عليه من حال الاصرار على العقود « 4 » ، والفزع من عارض داعي الذنب « 5 » ، لأن اللّه عز وجل يقول :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
« 6 » .
قلت : بم يبتدئ الرجل من التوبة ؟
قال : بترك الذنب من فعله ، والخيانة من ضميره ، والمداهنة في معاملته ، والمواراة في مذهبه « 7 » ، وبرد المظالم على أهلها ، ويؤدي كل ما كان عليه من حق للّه وللعباد ، لأن اللّه عز وجل يقول :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
« 8 » .
قلت : فما الذي يجب عليه بعد ذلك ؟
قال : اصلاح القوت « 9 » ، لأن منزلة القوت من الدين كمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا أصلح الرأس صلح جميع الجسد ، وكذلك يا فتى إذا صلح القوت في الدين ، زكت الجوارح بأعمال المطيعين .
قلت : ثم ما ذا يجب بعد ذلك ؟
قال : الأسى على ما فات ، واصلاح ما هو آت ، والاستغفار باللسان من
هامش
( 4 ) يعني : إذا عقدت العزم على التوبة ، فاعزم على ألا تعود إلى حل إصرارك على هذا العقد كما كنت تفعل من قبل .
( 5 ) الفزع من عارض داعي الذنب ، أي : الهرب من كل ما يدعوا إلى الذنب ، من رفقة السوء ، وأماكن الفسق ، والنظر إلى الشهوات ، وأمثال ذلك .
( 6 ) آل عمران : 135 .
( 7 ) خيانة الضمير : الميل إلى حب الذنب بالقلب ، مع اجتنابه في الظاهر . والمداهنة : اصطناع الخلق الحسن نفاقا لجلب مصلحة شخصية . والموارة : موافقة الكل في مذاهبهم خشية الخلاف ، مع تضييع الحق .
( 8 ) البقرة : 160 .
( 9 ) اصلاح القوت : يعني تحري الحلال الخالص من الطعام والشراب . فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به . وانظر للمحاسبي ( أعمال القلوب والجوارح ص 195 ، والوصايا الباب التاسع عشر ) .