تدبر ما سمعت أيها العظيم في نفسه ، واعلم أن اللّه تعالى يعلّم اللبيب فيتعظ بالمدحة والمذمة إذا بلي بهما ، يعلم أن المدح لا يليق بأمثالنا ، ولسنا لذلك أهلا ، وقد علم اللّه منا مساوئ كثيرة ، والمذمة أولى بنا من المدحة والثناء .
والمدحة أبغض إلى اللبيب من المذمة ، لعمله بفسادها للدين ، وقد أبغض اللّه من أحبها « 1 » . وذلك اللبيب إذا بلي بالمذمة أيقن أن الذي فينا من الأسواء أكثر مما به قد ذممنا . وأن الإنابة من أسوائنا أولى بنا من الوجدة على الذام لنا .
فالناصح المهدي إلينا معرفة عيوبنا مستوجب للمحبة والشكر منا .
وأما المفتون العظيم في نفسه فما يتعظ بمدح ولا ذم ، تجده يرتاح إليها ، ويحب المضرة بدينه ، ويمتعض من المذمة كأنه غير مستوجبها . ويبغض الناصح المهدي إليه عيوبه . فالمادح والذام يضران بدين المستمدح وما يشعر « 2 » .
فهذا فضل ما بين الرجلين : أحدهما يتمغص من المذمة ، وهو أولى الناس بها . والآخر يرضى بالمذمة وهو أطهر الناس منها .
أخي : إن عقلت ما وصفت لك ووعيته ، فإن لك في رعاية نفسك والاتعاظ بمساويك ، والنظر في أحوالك ، والإنابة إلى مولاك من مساوئك شغلا شاغلا عن الوجدة على غيرك .
فراقب اللّه واحذر أوزار الحقد والغضب على الذام ، وتضرع إلى اللّه عز وجل في دوام سترة وتمام النعمة ، فلن تزال بخير ما كنت في كنف اللّه عز وجل ، عالما بأياديه ، عاملا في الشكر له ، معترفا بالإساءة والتقصير ، خاضعا للحق ،
هامش
أهل السماء . أنظر : ( تاريخ الاسلام للذهبي ، ج 13 مخطوط ، رقم 42 تاريخ ، ورقة 45 وما بعدها ) .
وكلا الإماميين مسلم له بالفضل ، فالمحاسبي فاضل في المشاهدات ، وابن حنبل فاضل في حفظ الحدود ، والمحاسبي استفاد من هذه الواقعة بلا شك ، فكأنما يتحدث عن خواطره هو .
( 1 ) في الأصل : وقد بغض اللّه لمن أحبها .
( 2 ) أما المادح ، فإنه يضر بدين المستمدح لأنه يدخل الغرور في قلبه ، وأما الذام فإنه يضر بدين المذموم ، لأنه يكرهه وربما كان ذمه حقا .