تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الحق عنده سواء ، وعسى لا يساوي بين الذام والمادح في البر والتكرمة لهما ، ولا يساوي لهما في الوجدة عليهما . فالعابد منقوص بذلك عن حقيقة الصدق وما يشعر « 1 » . فمتى شئتم فاسألوا عابدكم عن نفسه ، وليقل الحق . هل يجد للمدحة والتعظيم مثل كرهه المذمة ؟ وهل يرضى بالذمة كرضاه بالمدحة ؟ وهل يستقبل الذام كما يستقبل المادح ؟ وهل يخف على قلبه الذام كما يخف المادح ؟ فإن زعم أن الذام والمادح يجريان عنده مجرى واحد ، والمدح والذم عنده سواء ، فإن جعلوا في ناحية العابد عصابة يعرف بها ويشار إليه ، فإنه إمام زمانه كما يزعم . واللّه سائله عن دعواه ، وعسى يرجع عند المساءلة عما ادعاه . وإن أقر عابدكم أن المدحة والمذمة لا يستويان عنده ، فالصدق أولى به وبنا ، والاعتراف أنجى له ولنا ، ولذلك المادح والذام لا يستويان عنده وفقنا اللّه وإياكم للصدق في جميع الأحوال .
هامش
( 1 ) قال أبو حازم : كل مودة يزيد فيها اللقاء مدخولة ، وإنما انتفى الصدق عن مثل هذا العابد ، لأن من لم يعرف ما طوى في نفسه من الصفات ، كيف يدعي معرفة ربه . فادعاؤه المعرفة في هذه الحالة دعوى بلا دليل ، وهي زور وبهتان . والعابد في هذه الحالة كذلك ساكن إلى الخلق مستأنس بهم ، مطمئن إليهم . وقد قال أبو الحسين محمد بن سعيد الوارق : الأنس بالخلق وحشة ، والطمأنينة إليهم حمق ، والسكون إليهم عجز ، والاعتماد عليهم وهن ، والثقة بهم ضياع ، وكل تلك صفات تعارض الصدق وتنافيه . ومن ابتلى بمثل ما ابتلي به هذا العابد فليشحذ كل مواهبه في علاجها . فقد أكبر الصوفية تلبيسات النفس وفطنوا إليها ، ونبهوا على خطورتها . قال أبو بكر الطمستاني : « النفس كالنار إذا أطفئت في موضع تأججت في موضع ، وكذلك النفس إذا هذبت من جانب ثارت من جانب آخر » . وخير علاج لها ما يراه الأستاذ أبو السعد أبو العشائر المتوفى عام 644 ه ، حيث يقول : « يجب على السالك إذا رأى من نفسه خلقا سيئا أن يدخلها في كل ما يسوؤها ويغمها حتى ترجع له مطيعة ، فإنها هي العقبة التي تعبد اللّه الخلق باقتحامها ، وما دام لها حركة لا يصفو لها الوقت ، وما دام لها خاطر لا يصفو لها الذكر » .