إخواني : سأصف لكم من أحوال الصادق عند المدحة والمذمة صفات « 1 » عسى اللّه أن ينفع بمعرفتها .
وذلك أن من أخلاق الصادق : أن رضاه بالمذمة إذا صارت له حسنات أكبر من رضاه بالمدحة ، لأن المدحة تضر ولا تنفع .
من أخلاق الصادق : أن يشفق على الذام ويرحمه ، ويخصه بالدعاء أكثر لنفي الحقد من قلبه ، ويتفضل عليه عند حاجته . أفتحسبون عابدكم يفعل ذلك ؟
وبعد : فإن الذم أولى الأشياء أن يحبه العابد ، لأنه ينفعه في الآخرة « 2 » ، ويزيد حسناته ، ولا سيما إن لم يضر بدنياه .
وذلك أن المذمة والغيبة لا ينقصان من رزقه ، بل وينفعانه في آخرته ، ويزيدانه في حسناته ، وأحسب عابدكم يقول : لا حاجة لي في المذمة ولا في حسناتها . فأين الصدق ؟
ويحك فما عذرك في بغض المذمة النافعة لك في الآخرة ؟ وأنت تزعم أنك طالب للحسنات ، وهذه حسنات لك من غير اكتساب ولا تعب ولا نصب ، فإن زعمت أنك إنما غضبت على الذام المغتاب لأنه عصى اللّه فيما اغتابك به ، فما ترى في الناس من هو أكثر ذنوبا ، وأعظم جرما من الذي اغتابك وذمك ؟ ومالك لا تغضب على نفسك إذا ذممت عباد اللّه ؟
وهذا من خبايا النفوس وأنت في غفلة .
أيها العابد : فكن على يقين [ من ] « 3 » أن نفسك لنفسك تغضب ، ومن ذمها امتعضت ، وتعدى على اللّه بغضبك على الذام المغتاب ، فتزاد من اللّه بعدا .
هامش
( 1 ) في الأصل : صفاتا .
( 2 ) في الأصل : وزاد .
( 3 ) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول .