فمن كانت هذه صفته فقد حلّت تهمته ، وأبيح سوء الظن به ، بل يقينا لا شك فيه أنه كذلك .
فلا تدع تهمتها عند منازعتها إلى طريق النجاة ، حتى توافقها وتفتشها لئلا تكون أضمرت فيه بلية ، لتنال عاجل دنياها .
وقال عبد اللّه ، وذكر الحديث : « إنّ الجنة حفت بالمكاره ، والنار حفت بالشهوات ، ومن اطلع الحجاب واقع ما رواءه » « 1 » . يعني من جاوز حجاب النار وقع فيها ، ومن جاوز حجاب الجنة دخل الجنة ، لأنّ حجابها المكروهات . فمن تحمل المكروهات دخل الجنة ، ومن أتى الشهوات دخل النار ، إلا أن يعفو اللّه تعالى ، لأنّ اللّه تعالى أمر عباده أن يتحملوا المكروهات حتى يدخلوا الجنة ، وأمرهم بترك الشهوات حتى ينجوا من النار .
وقال : ثلاث خلال تلزمها قلبك :
أولها : اليقين بأنّ المقدر ويأتي ، وإن لم يقدر لا يأتي ، فمن أيقن بذلك أورث اللّه قلبه خصلتين :
إحداهما : أن يأمن أن يفوته ما قدر له .
والثانية ، أن ييأس من أن ينال ما لم يقدر له .
فمن ألزم قلبه الأمن ألا يفوته رزقه ، والإياس من أن ينال ما لم يقدر له ، قل همه وغمه ، وخضوعه للخلق ، والمداراة لهم ، لأن ينال بهم منفعة ، فهذا الغنى باللّه .
والخلة الثانية : الحذر من اللّه عزّ وجلّ ألا يغفل عنه فيزل ويسقط من عين اللّه ، لأنّ الحذر يوقظه ، والتيقظ يذكّره ، والذكر ينبهه ، حتى يراقب مولاه ومليكه .
والخلة الثالثة : ذكر اطلاع الرب عزّ وجلّ عليه ، في ضميره وجوارحه ، فإن ذلك يورثه الحياء ، فإن عرض له شيء مما يكره اللّه عزّ وجلّ ذكر النظر ، وخاف من المقت إن ركن إلى شيء من ذلك .
وإن عرض له ما فيه النقص ، وإن لم يكن محرما ، استحيى من اللّه عزّ وجلّ أن يراه مقصرا عما يحب مولاه ، مع ما قد استودعه من العلم ، وعرفه من عظيم قدره ، وكبرياء جلاله .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه