وأعظم من ذلك كله أنه لا يشتد خوفه أن يكون اللّه عزّ وجلّ إنما سلبه كراماته ، وعاقبه بغضب حلّ به منه ، ومقت له ، وسقوط من عينه .
فالعجب كل العجب ممن كانت هذه منزلته نعوذ باللّه من حلول عقوباته ، ونسأله النقلة إلى ما يحب ويرضى ، بتوبة تطهرنا من كل ما يكره ، وإقبال عليه ، والشغل به عن الدنيا وأهلها ، ونسأله أن يجعل ذلك سريعا بمنه .
ولكن حق الحزن والعويل والنفس معرضة .
يا نفس ، قد اطمأننت وسكنت ، وكثيرا يغلب عليك السرور ، وشواهد المقت بادية عليك من اللّه عزّ وجلّ ، ودلائل الغضب بينة فيك في كثير من أحوالك .
فأنت ترين من اللّه تعالى فيك دلائل الغضب ، وشواهد المقت ، ثم لا تكترثين ، كأنك لغضبه تستطيعين ، ولعذابه تتحملين .
هيهات ، إنك عن دون غضب اللّه تضعفين ، ومن أقل من أذى الدنيا تجزعين ، فكيف بشدة غضب الجليل ، والعذاب الأليم .
ولكن عقوبات اللّه عزّ وجلّ منعتك من أن تجزعين ، فكيف يعبأ اللّه عزّ وجلّ بمن لا يجزع من غضبه ، ولا يتوجع لأليم عذابه ، ولا يقبل على اللّه بشكره على دوام نعمائه ، ولا ينحاش ويهرب إليه لما رأى من عقوباته في الدين خاصة دون معاشه في دنياه .
فلم يتغير لك مولاك عما كان يتعاهد به قلبك من هيجان التيقظ ، وقوة التنبه ، ودوام الذكر ، والجزع من نسيانه ، وشدة الهرب ، ورعب القلوب من أقل اللذات التي تكون منك .
وتأديبا كان تنبيه اللّه منك لك ، وتقربا منك إليه ، وتحننا منه عليك في وقت تنبيه قلبك عند الغفلات ، ويمن عليك بوجود الحلاوة في الطاعات ، وشدة التلذذ بالمناجاة .
فأمسيت وأصبحت مباعدة من اللّه مقصاة ، مطرودة عن بابه ، منحاة من قربه ، تتمادين في الغفلات فلا ينبهك ويدوم بك النسيان فلا يوقظك ، وتكون منك الزلّة بعد الزلة ، فلا يدوم لك الحزن ، ولا يطول بك الغم .
قلت : التنبه والتذكر فيك ، فصار ينبهك ويذكرك ، ثم يخذلك ويحجبك عن استعمال التذكر ، وطاعة التنبه .
فالحال الأولى طول غفلة لقلة المبالاة بأن يطلع وينظر .
المسائل — صفحة 102
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٠٢