وجملة ذلك أن تغدو إلى سوقك ، وأن تكون في جميع أحوالك ، في سوق كنت أو في غيرها ، فتلزم قلبك اليقين والحذر ، وذكر الاطلاع بالنظر .
فباليقين تستريح ، وبالحذر تتيقظ ، وبذكر النظر تستحي من الناظر ، جلّ وغلا وتبارك .
وقال : ينبغي للعبد المؤمن إذا رأى القسوة في قلبه ، أن يعلم أنها من الران « 1 » على قلبه من سوء فعله ، فيخاف أن يكون اللّه عزّ وجلّ إذا حجب قلبه عنه بالران والقسوة أن يحجبه غدا عن النظر إليه .
لأنّ اللّه جلّ ذكره أخبر بأنه عاقب من أخرجه من ولايته بحجب قلبه عنه في الدنيا ، وحجب بصره أن ينظر في الآخرة إلى جلاله ، فقال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ المطففين : 14 ] .
فأخبر أنه حجب قلوبهم عنه في الدنيا ، وحجب أبصارهم عن النظر إليه في الآخرة ، لينزلهما جميعا ، أحدهما يتلو الآخر ليس بينهما معنى ثالث .
وإن اعترض للمريد خاطر من الشيطان ، يقطعه عن الخوف من اللّه تعالى أن يحلّ به هاتين العقوبتين ، فقال : إنما أنزلهما في الكافرين ، فليرد عليه بقوله : وإن كان اللّه قد أنزلهما بالكافرين فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يؤمن منهما كثيرا من المؤمنين ، وقد حذر اللّه المؤمنين أن يعاقبهم بما عاقب به الكافرين . فقال تبارك وتعالى :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
[ آل عمران : 131 ] يعني لأعذبكم بها معهم .
وقد ذكر الكافرين فقال :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
[ الزمر : 14 ] .
ثم أخبر بعاقبة من عبد شيئا دونه فقال :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
[ الزمر : 15 و 16 ] .
يحذرهم أن يعاقبهم بما عاقب به الكافرين ، وقال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه :
« أما تروني أبصر رقيق العيش » .
هامش
( 1 ) الرّان : الغطاء والحجاب الكثيف . و - الدنس ، و - : ما غطّى على القلب وركبه من القسوة للذنب بعد الذنب .