ومعرفتك بقدرها : أن تعرف كيف بنيت في طبائعها وهيئتها .
وكيف استثقالها لطريق نجاتها من غير بغض للنجاة ، ولكن كراهة لحمل المؤن ، وكراهة لترك محبوبها من عاجل الدنيا .
وكيف استخفافها بما فيه هلاكها ، من غير حبّ للهلكة في آخرتها ، ولكن بمفارقة لذاتها ، ومجانبة هواها في غير عاجل الدنيا .
هذا مع إقرارها بأنّ ثواب الآخرة وعقابها أعظم وأبقى ، وأنّ محبوبات الدنيا ومكروهها دنيء فان .
وهي تؤثر بعد العلم والمعرفة ذلك الدنيء الفاني ، على العظيم الباقي ، من غير جحود منها للعظيم الباقي ، ولكن لتعجيل دنيا ، من لذة تصيبها ، أو راحة من مكروه نالته ، أو يشغلها عن محبوبها .
ويعلم أنّ طبعها قائم بطلب ما يوافقها من الدنيا ، لا يغفل عن ذلك طرفة عين ، يتقلب في الطلب بقدر الأسباب والحاجات .
إذا نالت ما تريد من شيء تعلقت بآخر ، لا تنفك دائمة من ذلك ، ومرادها ما هي عليه قائمة ، وجوارحها له مدركة ، وهي لا تنسى ما تهوى ، ولا تتركه طرفة عين حتى تقسر قسرا ، وتجبر جبرا ، ويحال بينها وبينه .
والذي به تقسرها وتجبرها ليس هو حاضرا تدركه فتخافه أو تأمله ، بل هو غائب عنها ، فلا تناله إلا بالتكلف ، وترداد الفكر فيه لعظيم قدره ، ولا ينال التكلف لذلك إلا بالتيقظ ، وترك اشتغالها بلذاتها .
فحقّ على العاقل عن اللّه عزّ وجلّ إذا أراد نجاتها ألا يغفل التيقظ ، ولا يدع التفكر ، ولا يغفل عنها ولا يأمنها ، بل يزيل حسن الظن بها ، ويسرع إليها بالتّهم إذا سارعت إلى طلب النجاة ، إذ كان يعرف منها خلاف ذلك ، مما تقدم من سوء فعلها ، وسوء رغبتها ، لأنه قد عرفها مستثقلة لطريق النجاة ، مستخفة بطريق الهلكة ، ولن تنقاد إلى طريق النجاة إلا بالقسر والجبر .
ومع انقيادها تحاربه ، فإن منعت المحاربة طلبت أن تجعل سبل النجاة سبل الهلكة ، فطلبت التصنع بالطاعة ، والعجب بعظيم النعمة ، والتكبر بكثير المنة ، والحسد لمن فضل عليها ، والغرة بمن لا تنقاد له إلا كارهة .
المسائل — صفحة 98
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٩٨