وهو : أن يتفكر المريد المؤمن في صغر قدره في نفسه وما أزيل عنها من الطلب لشيء من نفسه ، أو من غيره ، إلا ما أعطاه مولاه ، ومن عليه به ، فيعقل من صغر نفسه وضعفها ومهانتها وقلة حيلتها ، وضعف جميع الخلائق ومهانتهم ، أنهم لا يريدون أو يحدثون من فعل خير ، أو صرف مكروه ، إلا ما دبره المولى الكريم .
ويتفكر ويتذكر : أنّ الرّب هو القادر وأنه لا إله إلا الذي لا يكون إلا ما أراد ودبر ، وأنه لا يعجزه شيء أراده ، وأنه وجميع العباد لا ينالون خيرا إلا من عند ربهم ، ولا يصرفون عن أنفسهم سوءا إلا ما صرفه عنهم .
فإذا عقل ذلك ، علم أنّ الجهل منه أن ينظر إلى نفسه ، أو إلى أحد سوى مولاه ، فقال في نفسه : ألجأت أموري كلها إلى ربي ، المالك لا مالك سواه ، ولا أنتظر ولا أتكل ولا آمل ولا أخاف ، ولا أحذر غيره .
فالمريد ينال بالتفويض بهذه المعرفة ، عن هذه الفكرة والتذكر ، كما وصفت لك .
قلت : فما يورث اللّه المفوض إليه الأمور كلها ؟
قال : زوال جميع هموم الدنيا ، وزوال خوف جميع العباد ، وزوال الرجاء لأحد منهم ، وترك التطلع ، والاستشراف لما يكون منهم ، وزوال الاتكال على حياة نفسه .
فلما حلّ هذا المحلّ ، لم يستعمل جارحة من جوارحه تقربا إلى أحد سواه ، رجاء منفعة منه ، ولا دفع ضر عنه ، ولا فقر إليه ، واستغنى باللّه .
قلت : وكيف يجوز له طلب معاش ، أو اهتمام لأمر دينه ، أو معاتبة لنفسه على ما صنع ، أو عزم على طاعة أو معاش ، وقد فوض أمره إلى اللّه تعالى ، وبرأ نفسه من تدبير شيء من أمره .
قال : إنّ ذلك لا يمنعه أن يعاتب نفسه على تفريطها ، ويعزلها على ذنوبها ، اتباعا لما أمره اللّه عزّ وجلّ أن يفعل ذلك بنفسه ، ويعلم أنه لم يصر إلى ذلك إلا بتوفيق اللّه تعالى ، الذي فوض أمره إليه ، فبعثه ووفقه إلى عذل نفسه ، وقدر له أن يفعله .
وكذلك إن عزم على أمر في آخرته ، أو طلب معاشا يقويه على طاعة ربه ، لم يعزم على ذلك لأنّ الأمر إليه ، ولكن من اللّه عليه بالعزم على ما يقرب إلى مولاه ، من طاعة أو معاش لا تقوم الطاعة إلا به ، من قوام أو قوة على قربه إلى ربه .
فهذا قبل أن يعزم يتكلف العزم ، ويعلم أنّ ذلك التكلف من مولاه ، فهو من به عليه ، فإذا عزم علم أنّ العزم هو من تقدير اللّه عزّ وجلّ .
المسائل — صفحة 96
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٩٦