وقال لغلامه : « انضح العصيدة « 1 » بالماء ، فإنه يكسر حرارة الزيت ، فإني سمعت اللّه عزّ وجلّ عبر أقواما فقال :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ الأحقاف : 20 ] .
فأنزلها في الكافرين ، وحذرها عمر أن يقع به ما خوف اللّه به الكافرين ، ولم يؤمن منه المؤمنين . وعلمهم الخوف من اللّه تعالى ، والحذر منه ، أن يجمعهم وإياهم في دار الخزي والعذاب .
وقال : العجب كل العجب من عبد آمن بربه ، وعرف عظيم قدر ثوابه ، وأيقن بشدة عقابه ، وأليم عذابه ، كيف تقر عينه ، أو يزايل الحزن والوجع قلبه ، وهو يرى نفسه كل يوم في إدبار .
وأعظم من جميع ذلك معرفته أنّ ذلك حقّ من اللّه تعالى ، وإبعاد له منه ، فإن كان عدا قد عوده اللّه عزّ وجلّ قبل ذلك من التوفيق والفطنة ، وفراغ القلب لمعاملته ، ثم عرف أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أبعده ، فحبس عنه ما كان يتعاهد به قلبه ، من فواضل البر والإحسان ، والمعونة والتأييد ، وفراغ القلب عن الاشتغال بالدنيا ، وإلزام قلبه التعظيم له عند ذكره ، وشدة الفزع منه عند نسيانه ، فحبس عنه ذلك وسلبه إياه ، وابتلاه بأضداده ، من إطالة الغفلة ، وكثرة النسيان ، والتغميض عند تضييع بعض حقوقه ، حتى صار مباعدا عنه ، مطرودا من قربه ، حيران سكران ، يطلب الرجوع وما يجعل له ربه إليه سبيلا .
وكيف لا يتعجب المتعجبون ممن أنزله اللّه تعالى هذه المنزلة ، من المذلة والإقصاء والبعد ، بعد العزّ والكرامة ، والإقبال عليه ، وسرعة الإجابة لدعوته ، بل كان اللّه عزّ وجلّ يسارع إلى محبته من غير دعاء ولا طلب منه ، وهو بعد ذلك قرير العين ، مسرور القلب ، مشتغل بطلب الدنيا ، لا يكترث لما فقد ، ولا يحزن لما سلف ، ولا يعزم على الرجوع عما عوقب عليه ، وإنما حزنه خطرات لا تلبث ، وتضرعه بقلب مشغول بغير من تضرع إليه .
وكيف لا يدوم له الحزن ويشتغل قلبه باللّه عزّ وجلّ عند الطلب وهو عن اللّه محجوب ومن القرب منه مطرود ، قد حلّ به منه الحرمان ، وقد عاقبه بأن سلبه كرامة مواهبه ، وعزّ الغنى به ، فصار موليا عنه بعد الإقبال عليه ، مشتغلا بغير الشغل بربه .
هامش
( 1 ) العصيدة : دقيق يخلط بالسمن ثم يطبخ ( ج ) عصائد .