تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
فيدخل عليه النسيان والغفلة في أنه يملك أمره ، ولكنه عجز عنه فلجأ إلى مولاه ، فعند ذلك دخل عليه الشيطان من باب من العجب دقيق لا يفطن إليه إلا العلماء السماسرة « 1 » . والرجل الثاني اعتقد في قلبه أنه لا أمر له ، ولا حول ولا قوة ، ولا ملك له يحتاج أن يلجئه إلى ربه ، ولكن ربه مالك نفسه ، وجميع أموره ، فإنما معناه بتفويضه أموره : أنه فوض الأمور التي لا يملكها إلى اللّه عزّ وجلّ . فيقول في نفسه : الأمور كلها للّه ، وباللّه وتكون وتتصرف ، فألجأت الأمور كلها إلى اللّه عزّ وجلّ ، وأنا منتظر لما يقضي ويقدر ، أحسن الظن به إذ منّ علي بالانتظار لذلك أن يطاف بي ، وينظر إلي ، ويحسن إلي ، ويختار لي ، فلا أمر لي فأفوضه ، والأمر كله لربي ، فقد فوضت إليه الأمور كلها ، وألجأتها ، منتظرا لصنعه ولطفه . وإنما قولي : أفوض أمري إلى اللّه ، أي الذي لا أملكه ، وإنما تسميتي لست أعني بها ملكي ، إنما قولي : أمري ، معناه : أمري الذي أحتاج إليه من ملك ربي ، لا من ملكي ، فهو المالك له . كقولي : أحتاج إلى رزقي الذي لم أملكه بعد . فكذلك يكون التفويض . فهذا الذي لم تدخل عليه أي أغلوطة ، ووضع نفسه من العبودية حيث وضعها مولاه ، وأفرد اللّه بالربوبية ، والقدرة على جميع الأمور ، والتدبير لها دون سواه ، فهذا الذي يكفيه اللّه ويختار له . فإن غلط رجوت أن يتجاوز اللّه عن غلطه ، إذ كان الغالب على قلبه تفويض الأمور كلها إلى ربه . والمفوض مكتف مستريح . ألم تسمع مولاي يقول يخبر عن قول العبد الصالح ، وكيف فعل به حين فوض إليه أمره ، فقال :
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
[ غافر : 44 ] . فقال اللّه عزّ وجلّ :
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ
[ غافر : 45 ] . قلت : فبم ينال التفويض للّه عزّ وجلّ ؟ قال : بغير كبير مؤنة في قلب ، ولا تعب في بدن ، ولا تعليم من أحد ، ولا إنفاق من مال ، ولا عمل من جارحة ، إلا المناجاة للّه عزّ وجلّ باللسان ، بعد اعتقاد القلب .
هامش
( 1 ) السماسرة : ( ج ) السمسار : المتوسط بين البائع والشاري بجعل لتسهيل الصفقة وسمسار الأرض : العالم بها .