التفويض
قلت : ما التفويض إلى اللّه عزّ وجلّ ؟ فإنّ اللّه تعالى مدح مؤمن آل فرعون ، فأخبر بما ناجاه به حين باين قومه ، وأظهر لهم الخلاف فقال :
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
[ غافر : 44 ] . وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لرجلين : « فوضا أمركما إلى اللّه عزّ وجلّ تستريحا » . وقال عامر بن عبد اللّه لأخته : « فوضي أمرك إلى اللّه تستريحي » .
قال : إنك سألت عن أمر عظيم . من وهبه اللّه ذلك زالت عنه الهموم للدنيا ، والمخافة للعباد ، والطمع فيما في أيديهم ، وترك النظر من المؤمن إلى حيلة نفسه . فهذه راحة للقلوب ، وفراغ منها لطاعة اللّه .
ويدلك على ذلك قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم : « فوضا أمركما إلى اللّه تستريحا » .
والتفويض عمل نية ، لا مؤنة له على القلب والبدن ، بل فيه الراحة للقلب والبدن .
وكيف تلحق المؤنة والهم من فوض أمره إلى اللّه تعالى ، وتبرأ من النظر إلى نفسه ، أو إلى أحد سوى من فوض إليه أمره ، لأنّ من فعل ذلك من أهل الدنيا ، ففوض أمره إلى من طمع أن يقوم به ، لمستريح القلب والبدن ، قليل الهم والغم ، والاهتمام والاحتيال .
فكيف بمن فوض أمره إلى اللّه عزّ وجلّ ، الملك الأعلى ، الذي لا يكون شيء إلا ما أراده ودبره ، ولا يفوته شيء ، ولا يعجزه شيء .
ومع ذلك فإنه أمر بالتفويض إليه ، وضمن للمفوضين إليه الكفاية لما همهم ، والقيام لهم بما فوضوا إليه من أمورهم .
والتفويض من خالص التوكل على اللّه عزّ وجلّ ، للثقة به ، والمعرفة بنفاذ قدرته ، ورحمته ورأفته .
فالتفويض الإلجاء من قلب المؤمن إلى اللّه تعالى في الأمور كلها ، التي تخاف وترجا ، أو يحتاج إليها من أمور الدنيا والآخرة يوم الحساب .
والمريدون في ذلك رجلان :
رجل اعتقد من قلبه أنه ألجأ أموره كلها إلى اللّه ، متبرئا من الحول والقوة من نفسه ومن الخلق ، إلا إلى اللّه تعالى ، ولا ينتظر لطفا ولا صنعا إلا من عنده ، قد طابت وسخت نفسه بإلجائه الأمور إلى مولاه ، وهو مع ذلك على خطر أن يخدعه الشيطان ،